العدد 3795
الأربعاء 06 مارس 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
المبالغة... الحقيقة المنفوخة!
الأربعاء 06 مارس 2019

ماذا يعني أن تبالغ في القول، سوى أن تُخرج الكلام من حدوده الأصلية إلى حدود يعلم الله تعالى مداها! فيتحول الحدث البسيط إلى حادثة كبيرة شنعاء! ويصبح الخطأ الصغير جريمة لا تغتفر! وقد تُغير المبالغة حقيقة الموضوع تمامًا؛ فتنقله إلى حيّز آخر، ومسار مختلف جدًا عن خطه الأولي! بحيث لا يعود يمتُّ هذا الموضوع إلى نفسه، ليدخل في باب جديد، وحبكة مختلفة!
معظمنا إنْ لم يكن كلنا يمارس المبالغات بشكل شبه يومي، ولا يكاد ينتهي يوم واحد من دون أن يقص قصة أو حدثًا ما مع إضافات هنا وبُهارات هناك! فهل تعرفون لماذا نبالغ؟ ولماذا لا نقول الشيء - حرفيًا - دون زيادة؟ هل هي عملية كذب واعية ومحسوسة؟ أم أنها حالة غير محسوسة، وتحصل من دون وعي منا؟ إنني أميل إلى الأمرين معًا؛ وفي ظني أن المسألة عائدة إلى النوايا؛ أي المقاصد؛ فنحن نبالغ لأسباب خاصة بنا، قد تكون التهويل أو التضخيم لأمرٍ ما؛ لنمنحه صفة كبيرة، ولنجرَّ الطرف الآخر إلى تقديس أو تدنيس ما نتحدث عنه؛ سواء كان شخصًا أم شيئا ما! وفي ذلك – في الواقع – انحراف عن الحقيقة الأصل، يجعلنا نزيغ؛ أي نميل عن الصدق؛ وبشكل واضح نتحول إلى كذابين من دون أن نشعر!
وسواء كان الكذب أبيض أم أسود؛ فإن المبالغة أحد أكثر وجوهه التي نمارسها، وغالبا ما تحصل بشكل لا إرادي أو عفوي ولا شعوري؛ فنحن حين نعتاد الإثارات؛ أي إضفاء صفة الحيوية على كلامنا؛ لا ننتبه إلى عمليات الرسم والتلوين التي نفرط في استخدامها، والتي تصبح – بمرور الوقت – عادة لدينا، ولا نكاد نلتفت إلى التزييف الحاصل، والخروج عن الواقع؛ إلى صورة لا تعكس الحقيقة؛ بقدر ما تعكس هوى منْ قام بنقلها! ولعل منبع هذا كله راجع إلى التأثر وحالات الانفعال بالقضية أو الحدث!
ومادمنا بشرًا؛ ولنا مشاعر وأحاسيس، وننفعل بالأشياء والأشخاص والسلوكيات؛ فإن نقل الصورة، أو الكلام بطريقة (قِص والصِق) عملية شبه مستحيلة؛ إذ من النادر جدا أن نعبر عن شيء دون أن يلازمه إحساسنا تجاهه، فإنْ لم يكن بقول اللسان؛ فبلغة الجسد، وما أكثر ما يقوله جسدنا! فهناك حقيقة علمية تقول إننا نفهم من الكلام المنطوق 20 %، وما نسبته 80 % يصل إلينا عبر لغة الجسد، وكأن اللسان يبدأ الكلام ويقول للجسد: أكمل القصة! وأكاد أجزم أن المبالغة هي العملية المسرحية الكبيرة المتروكة للجسد؛ ليتقمصها، فنصدق، وتمر المبالغات بسلام!.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية