العدد 3795
الأربعاء 06 مارس 2019
20 عامًا على وفاة أمير الحكمة والكرم والتواضع
الأربعاء 06 مارس 2019

في مثل هذا اليوم قبل عشرين عامًا، وبالتحديد في السادس من شهر مارس من العام 1999م، كنت في القاهرة مترئسًا وفد البحرين المشارك في دورة اجتماعات وزراء العمل العرب الذي تنظمه سنويًا منظمة العمل العربية التابعة للجامعة العربية، وفي الساعة الثانية عشرة ظهرًا، دق جرس هاتفي النقال لإبلاغي بخبر وفاة المغفور له بإذن الله تعالى صاحب السمو الأمير الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد المفدى طيب الله ثراه، وقد كان لذلك الخبر وقع مؤلم ومرارة في النفس التي رفضت قبوله أو تقبله لولا الإيمان بالله ومشيئته، فلم يكن أحد منا يتصور أن عيسى بن سلمان سيفارق الحياة في ذلك الوقت المبكر، ولم أكن أتصور أن للبحرين كيانا من دون وجوده؛ فقد كان جيلنا يرى البحرين في شخصه وفي عينيه.

وعلى الفور بدأت بترتيب إجراءات العودة إلى البحرين التي وصلتها في صباح اليوم التالي.
وخلال فترة الانتظار ورحلة العودة كان الوقت يجري متثاقلًا متباطئا، يجر وراءه شريط طويل من الذكريات والتأملات في السيرة الطيبة العطرة للمغفور له بإذن الله تعالى والمسيرة المباركة التي استمرت لثمانية وثلاثين عامًا قضاها ذلك الرمز الشامخ في سدة الحكم، وكانت متخمة بالتحديات والصعاب، وزاخرة بالعطاء والإنجازات التي حققها المرحوم بدعم ومساندة من شقيقه ورفيق دربه صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر حفظه الله ورعاه،  تم فيها تأكيد وتثبيت عروبة البحرين وأصالتها وتحقيق استقلالها وسيادتها وإدماجها في الأسرة العربية والمنظومة الإقليمية والمجتمع الدولي، وتم فيها إرساء قواعد وأركان وصروح الدولة الحديثة وتدشين أسس ومرافق التطور والتنمية بأوجهها وسبلها كافة، وترسيخ مبادئ وقيم المحبة والعدالة والأخاء والتسامح والتعايش، لقد كان رحمه الله القائد المدبر والربان الحاذق الذي أبحر بسفينة البحرين بكل كفاءة واقتدار إلى بر الأمان في وسط لجج من المستجدات والتطورات والتحديات الداخلية والإقليمية والدولية، وكان فوق ذلك كله إنسانا بكل ما تعنيه الكلمة من معان ودلالات، جسد الإنسانية في أبهى وأسمى صورها ومعانيها، وعُرف بخصائص وشمائل الرجال الكبار المتميزين من جرأة وحكمة وحنكة وسماحة واتزان وسمو في الخلق وطيبة في النفس والمعشر وبشاشة وبساطة وتواضع في آن واحد.

 وكما كان رحمه الله بسيطًا متواضعًا في حياته فقد أراد أن يكون كذلك وهو في طريقه إلى جوار ربه، فكانت وصيته وإرادته أن يُدفن في يوم وفاته بلا تأخير ومن غير أبسط المراسم المعتادة في مثل هذه الأحوال، أو كما تعود الكثير من القادة والملوك والأمراء، فلا حاجة ولا مكان لموكب جنائزي تحيط به الأعلام والأوشحة والجنود ولا خيول ولا عربات ولا جوقات شرف، ولم يكن النعش محمولا على مركبة عسكرية  بل كان مرفوعًا على الأعناق والأكتاف وملفوفا بمشاعر المحبة والولاء وشآبيب الرحمة والرضوان، إلى أن ووري الجسد الطاهر التراب ليرقد بسلام واطمئنان كما عاش بسلام واطمئنان.

في يوم وفاة الأمير الراحل طويت صفحة مشرقة من تاريخ البحرين وفتحت صفحة جديدة لا تقل بهاءً وإشراقًا، ففي خلال ثلاثة أيام من انتقاله إلى الرفيق الأعلى، تسلم سدة الحكم نجله صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه، ليكون خير خلف لخير سلف. 

وبعدها عُقد إجتماع في القاعة الصغرى بقصر الرفاع أو ما تسمى بـ "البرزة" ترأسه جلالة الملك المفدى وبحضور صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء الموقر إلى جانب الوزراء وكبار أفراد العائلة المالكة تم فيه أداء اليمين من قبل صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة كولي للعهد، لتتجلى بذلك وخلال ثلاثة أيام فقط ثلاثة أسس ثابتة وراسخة لنظام الحكم في البلاد وهي؛ تحقيق انتقال سلمي للسلطة بتولي الملك الجديد زمام الحكم، وضمان مبدأ الاستمرارية بتنصيب ولي عهده الأمين، ووحدة وتماسك النظام والأسرةالمالكة، كل ذلك حدث بكل سلاسة وانتظام وحشمة ووقار، ودون صخب أو ضجيج ومن غير بهرجة مراسم التتويج المسهبة ودون أبهة العروش المزخرفة والصولجانات والتيجان المرصعة بأثمن وأندر المعادن والمجوهرات والأحجار الكريمة، كانت صورة مبهرة معبرة لملوك وأمراء يسلمون الأمانة والراية ويتسلمونها ويعتلون كراسي الحكم ويتقلدون المسؤولية كتكليف وليس تشريفا، عروشهم قلوب شعوبهم وتيجانهم المكارم السجايا.
رحم الله الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة وأسكنه فسيح جناته وأسبغ عليه جلابيب الرحمة والمغفرة والرضوان.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية