العدد 3796
الخميس 07 مارس 2019
بداية الانحراف ونهاياته
الأربعاء 06 مارس 2019

عُرف هذا الأستاذ بأنه متشدد كثيراً في الجوانب الأخلاقية التي يجعلها مسطرة يقيس عليها جميع الأمور، فرسم ذات مرة خطاً مستقيماً ورسم خطاً آخر ملاصقا له ولكنه يميل قليلاً عنه. وقال: “لو واصلنا رسم الخط المستقيم إلى النهاية فإنه سيبقى مستقيماً، أما الخط المائل ميلاً خفيفاً لا يكاد يُشعر به في بدايته، فإننا لو واصلنا رسمه سنرى أنه ينحرف عن الخط المستقيم ويبتعد عنه شيئاً فشيئاً، وهذا يدل على أن من يبدأ بشيء قليل من الانحراف ويشعر أنه لا يؤثر، سيجد نفسه – مع الزمن - يبتعد عن الاستقامة وتكون المسافة بينه وبينها متسعة”. بعضنا (قبل 32 عاماً) أطلق صيحة إعجاب مكتومة، وبعضنا تبرّم من هذا المثل. فكلما أردت أن أبعد هذا المثل عن بالي، يرجع إليّ بإلحاح شديد وأنا أرى التدهور الذوقي يغزو بلدي “كجلمود صخرٍ حطّه السيل من علِ”، إذ تسيطر فوضى مستحكمة لا يمكن اليوم فكها أو التعامل معها إلا بالسكوت عنها، وتركها تلطخ صورة المدينة في هذا الزمان. ففي مدينة يفترض أن تكون نموذجية لحداثتها وإمكانية تخطي “الفوضى المنظمة” التي حدثت في المدن القديمة، يتخذ البائعون الجائلون في “مدينة حمد” من أرصفة الدوار الثاني، مقابل محطة البنزين، وقرب محطة البنزين أيضاً في الدوار 22، أماكن للبيع، هذا يبيع فواكه، وذاك أطعمة شعبية، وآخر يبيع الأسماك، إلى جانب بائع مخبوزات، والناس تقف بسياراتها في الشارع بالقرب منهم لتقوم أولاً بتفحّص الموجود، ثم تبدأ عملية المفاوضات على الأسعار، حتى يجري الاتفاق، ثم يدفع المشتري، ويكتشف البائع أنه ليست لديه فكة للنقود، فيذهب إلى بائع آخر، والشارع في حال يؤسف لها ويُرثى من الاكتظاظ الذي تجلّطت مشاعر مرتادي الشارع تجاهه وما عاد يشكل لهم صدمة بأن ما يجري أمر ليس حضارياً ولا طبيعيا، فكل ما يعمله السواق إما الانتظار وراء المشتري، أو إطلاق بوق السيارة بقوة لتنبيهه وتبدأ لغة إشارات الأيدي بالعمل، أو أن يتجاوزه. إنه انحراف بسيط في أوّله، لم يجد من يردّه إلى خط الاستقامة فابتعد راسماً وجهاً لا نرجوه لبحريننا في ظل الخَوَر الإداري العاجز عن تنظيم هذا النوع من البيع بشكل لائق لهم وللبلد ككل.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية