العدد 3805
السبت 16 مارس 2019
ذاكرة الزمن المنسي
السبت 16 مارس 2019

الكتابات التي تصدت لتاريخ المدينة أو القرية في البحرين رغم أهميتها في توثيق التراث البحريني إلا أن الملاحظة التي لا تخطئها عين القارئ أنه يغلب عليها الاستعجال، وتفتقد إلى منهجية البحث التاريخيّ، القرية في البحرين اكتسبت طابعها المميز عن بقية البلدان كونها زاخرة بالآثار والإنتاج الزراعي وكفاح الأهالي ورحلاتهم في أعماق البحار بحثا عن اللؤلؤ.
و”ذاكرة الزمن المنسيّ” الكتاب الذي أراد من خلاله الأديب البحريني المعروف الأستاذ يوسف حسن على مدى ثلاث سنوات من البحث والتقصيّ أن يكون إطارا عاما يجمع بين دفتيه نماذج وصورا للحياة المعاشة في قرى وبلدات البحرين ما قبل النفط. الباحث يعد أحد أقطاب الحركة الأدبية في البحرين التي انطلقت في ستينات القرن الماضي، إضافة إلى كونه أحد مؤسسي أسرة الأدباء والكتاب، والكتاب بحق شهادة حية على حقبة من الزمن الجميل الذي كاد أن يكون نسيا منسيا بعد أن اكتسح الأسمنت والعمارات المعلبة المساحات الخضراء.
يؤرخ الكاتب لعقدي الخمسينات والستينات وحتى منتصف السبعينات، حيث شهدت تلك الفترة عتبات الوعي الوطني المبكر الذي نجم عن تأسيس المدارس الأهلية والحكومية والأندية الوطنية منذ العشرينات في مدينتي المنامة والمحرق، وسرعان ما انتشر الوعي الذي تمثل في الأندية الوطنية في العديد من القرى، ما جعل هذه الأندية مراكز إشعاعية ساهمت في تنشيط الوعي الثقافي والاجتماعي.
المفاجأة التي لا تخطر في ذهن أبناء هذا الجيل أنّ إنشاء الأندية آنذاك استقبله الأهالي بردات فعل عنيفة برفضهم كل جديد يكتسب صفة التنوير. بيد أنّ الأكثر إدهاشا أنّ الأندية واصلت طريقها في تفعيل رسالتها الاجتماعية والثقافية وتجذير الوعي بكل أشكاله، ولا بدّ لمن يتصدى لتوثيق تاريخ القرية أن يقف متأملاً ملامح الشخصيات التي نهضت بعبء الرسالة التنويرية فيها عبر فعالياتها وسلوكياتها التي تجسد القيم والأعراف والعادات.
حرص الكاتب يوسف حسن على تتبع نماذج من هذه الشخصيات ودورها في الارتقاء بالمستوى الثقافي والاجتماعيّ. أحد النماذج المزارع وهناك من أسماهم الباحث بشهداء النخل الذين كابدوا في صباهم وشبابهم وكهولتهم حتى مماتهم حين تطوح بهم الرياح من أعالي رؤوس النخل الشاهقة، وآخرون ممن امتهنوا الغوص وصيد السمك وقلع الحجارة، أمّا قصة التعليم في تلك الآونة فإنها جديرة بأن تروى لأجيال اليوم، ذلك أنّ أبناء ذلك الجيل اكتووا بالمعاناة والانكسارات والآلام والخسارات لما بذلوا من جهود استثنائية لامتلاك المعرفة.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية