العدد 3822
الثلاثاء 02 أبريل 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
قراءة‭ ‬تفكيكية‭ ‬للواقع‭ ‬السياسي‭ .. ‬الجزائر‭ ‬مثالا
الثلاثاء 02 أبريل 2019

فيكتور هوجو صاحب رواية “البؤساء” ورائعة “أحدب نوتردام” من الأوائل الذين انتقدوا الأرستقراطية المتخمة والمتضخمة على حساب كسرة خبز تتوزع في كوخ فقير.كما هو موقف فولتير في دعوته للعدالة وجان جاك روسو الذي نظّرللمساوة في كتابه “العقد الاجتماعي”، وكذلك حال الروائي الإنجليزي، تشارلز ديكنز في رائعة “أوليفر تويست” وقصة اليتيم الفقير الذي عاش في الشوارع بحثا عن رغيف حيث ركز جميعهم على خطيئة إغفال المحرومين والمهمشين والضعفاء من النائمين على أرصفة الجوع تماما كما هو مسلسل came of thrones حيث نصح حكيما الحكم قائلا:  “يجب ان تقلقل من اللصوص غير المعروفين”.

أعلم انه ليس المعارك التي تقتل الناس، إنه الجوع.

الطعام يساوي أكثر من الذهب. سيدات راقيات يبعن ماساتهن وذهبهن من أجل حفنة من البطاطس، وقد تاثر للطبقة المعدومة تيلستوي عندما حكم القيصر روسيا. وقد سبقهم جميعا الإمام علي ع في بعض خطبه في “نهج البلاغة” الذي قال: “هيهات أن يغلبني هواي أو يقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له بالقرص أو لا عهد له بالشبع”. لم يكن الإمام علي أفلاطونيا، ولا يؤمن بالمدينة الفاضلة المثالية، حيث قال: “الا أنكم لن تقدروا على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد” فقد ركز على الطبقة الدنيا كرجل، أنفاسه عبارة عن نبض يومي استحال إلى قلادة على جيد الفقراء، ويعلم كي يحافظ على الحكم لابد من ترسيخ العدالة الإنسانية، ودعا للشورى، وحفظ حقوق الأقليات، لذلك اعتبرته الأمم المتحدة في إحدى سنواتها رجل العدالة ونعته بالحاكم العادل للحكم الرشيد.

لست ضد الحقوق، ولكن كي يكون تغيير لابد من صناعة عقل ثقافي جماهيري غير مؤدلج، ولا يقوده رجال دين ولاصكوك غفران، بل يقوده فلاسفة كما هي نظرية افلاطون في فلسفته لنظرية الحكم وضرورة تشبع الحكم بالمفكرين والفلاسفة، فعصر التنوير الأوربي قاده فلاسفة لا عصابيون. مشكلة الجزائر تكرر مشكله الربيع العربي،وما جرى أيضا في العراق. أزالوا العسكر، وجاؤوا ببطون جائعة ماديا، وفقيرة ثقافيا، فنهبوا العراق، وأدخلوها في زنزانة الإيديولوجيات الاحادية فكثر الفساد، وذبحت العدالة على مسلخ الفكر الضيق.

إن الدعوة الى إسقاط الحكم كليا في الحزائر رغم بعض سياساته الكارثية سيقود الى فوضى، ومذابح وميليشيات، وسيستغل اصحاب الإسلام السياسي الفرصة لابتلاع الحكم، ومن ثم الى اعتقاله، وسيكون التفكير الحزب أولا ثم الوطن. الأيديولوجيا أولا ثم الوطن كما حدث في مصر اثناء حكم الإخوان، و ليبيا وسوريا والعراق. اتمنى ان لا يوضع الجزائر ضمن قائمة الدول التي تصيبها لعنة القدر والحظ العاثر. الفرق بيننا وبين اوربا ان الإنجليز بعد حربهم الأهلية واسبانيا بعد تفجر حروب أهلية بين بعضهم وأمريكا ايضا التي حرقتها الحروب الأهلية، انهم ابعدوا تدخل الدين عن إدارة الدولة، واحترموه كمعتقد وحرسوه، وعظموا الحرية الشخصية، لذلك تطوروا ووصلوا الى الحضارة، وان كنت انتقد عبادتهم الاقتصادية للرأسمالية المتوحشة التي بدأت تخنقهم. وما يحدث في فرنسا من مظاهرات الا بسبب أنياب الضرائب التي غرزت في جسد الفقراء.

إيماني بالله عز وجل وتفسيري للإسلام بعيدا عن التفسير الساذج، والسطحي للمتفيقهين من البشر، و قراءتي للإمام علي ع حيث تحمي نفسي عقاقير صيدلية نهج البلاغة من سلبيات الحضارة، و تجوالي في أوربا والعالم ترسيخا للكوكتيل الحضاري والعقيدة الإنسانية مع دراسة نظرياتهم الأنثربولوجية يجعلني أتخوف على اي دولة من الفكر الجماهيري المشبع بأيديولوجيات رجال الدين المبسطة في قراءة الواقع السياسي لأي دولة، لإيماني القديم الجديد من سياسة الخطوة خطوة في التغيير، ونقد الواقع باعتدال ووسطية مع حماية الدين بفصله عن السياسة مع دعوتي لانسنة الاقتصاد لا جشعه ،والى حرية مسؤولة لا تمس إنجازات اي دولة مع مؤسسات تعتمد سياسة كي تنمو الموافقة لابد من المراقبة والمعاقبة. كي لانرجع للمربع الأول كما هي أسطورة سيزيف، ذاك الفتى الإغريقي الأسطوري الذي قدّر عليه أن يصعد بصخرة إلى قمة جبل، ولكنها ما تلبث أن تسقط متدحرجة إلى السفح، وكي لانخسر بلدا آخر كالجزائر، وكي تكون الجزائر الحضارة والحقوق لا رائحة الموتى والمقابر فثورة القرنفل البرتغالية كانت تسعى لترسيخ الحرية بلا تأدلج.. لا تلغوا الدولة كاملة، بل ادعموا الإنجازات، وأزيلوا قمامة السلبيات، فوجع الربيع العربي ما زال غائرا ومخيفا ذاك الرقم المرعب للأمم المتحدة، حيث ذكرت الأمم المتحدة ان “الربيع العربي” كبد المنطقة خسائر بلغت 614 مليار دولار منذ عام 2011.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية