العدد 3837
الأربعاء 17 أبريل 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
هؤلاء نحن... وذاك الجرح فلسطين!
الأربعاء 17 أبريل 2019

دربونا على أن لا ننسى، وأقنعوا ذاكرتنا بأن تُكرر المشهد الظلامي نفسه مراتٍ ومرات، وما كان لهم أن يسمحوا لها بالحَيْد أو الميل أو الزيغ! هؤلاء كانوا آباءنا، وأجدادنا، ومَنْ لم يزالوا يعيشون حرارة القضية، ولم يسمحوا لذاكرتهم بالتغافل أو التجاهل! ولم يعطوا لذاكرتنا لحظة أو فرصة واحدة يتيمة؛ للتقنع أو الاختباء أو التظاهر – مجرد التظاهر – بالنسيان؛ ففلسطين لا تقبل المساومة لديهم، ولا المداهنة أو المراوغة، ولا تحتمل تسميات جديدة، ولا تقسيمات أو توزيعات!

كلنا مُثخنون مُدجَّجون بحليب القضية؛ فقد كانت لنا أمًّـا – منذ نعومة أظفارنا – غير أنها مُحمّلة بتضاريس الوجع، إذ كلما كبرنا؛ أدركنا أنها نُدبة في القلب، لا سبيل إلى محوها، وما بين غفوة وأخرى؛ توقظنا وخزاتها؛ لكيلا ننسى أنها هناك؛ قابعةٌ في مكان عميق من أرواحنا؛ ليس له أن يَدْرس أو يَبلى، وكأن لا فِطامَ لنا منها، إِلاّ أنْ نراها مُحررة، وظهرُها مرفوع، ورأسُها ثابت، ووجهها سُهول، وراحتا يديها غُدران ماء.

علمونا أنها قضيتنا الأولى؛ فحبونا معها، ومشينا في ظلها، ورافقتنا الدرب شبابًا، وها هي في طريقها؛ لتحتل بياض (شيباتِنا)! بعض أجدادنا وآبائنا مضوا، وسلمونا مفاتيحها، وحمّلونا ذمتها، ورسالتها إلى أبنائنا؛ ليشحذوا شرارتها؛ ويُشعلوا حطبها؛ كلما وجدوها تخفُت أو تبرد!

فلسطين تركتُنا وميراثنا الجماعي، وغَضْبَتُنا الدائمة، واستنكارنا الأبدي؛ كلما لاحت لنا جريمة في حقها! ويا للأسف؛ لم يشهد تحررها مَنْ مَضوا، ومن لحقوا، ونحنُ، ومن سيأتي! ويبدو أن لا زيارة قريبة لذاك المدعو الأمل إلى حضرتها البهية، والحقيقة المطلقة التي تكسف الشمس هي أننا عاجزون إلّا عن ذرف الدموع، والصراخ، ورفع الرايات والشجب! فما باليد حيلة، ولا في الجيب وسيلة!

فكما علمونا أنها قضيتنا؛ دسُّوا شيئا من اليأس فينا؛ فنحن لا نقوى على تحريرها! وما الحروب الطاحنة التي دارت من أجلها إلا زوبعاتٌ على المحتل، سرعان ما تلاشت، وعاد يتبختر في أحيائها، ويمتشق أراضيها، ويغتصب الهواء من أنفاسها! فالحل لن يخرج من بين ظهرانينا، أو في زماننا هذا؛ إن الحل/ المعجزة لن يقوى عليه سوى مُخلص كبير، إلهي أو مقدس! هكذا بُرْمِجنا! نعم هي قضيتنا الأولى، وحقها علينا رفع الصوت والهتاف وحمل الرايات والتظاهرات، وتوريثها الأجيال، وكفى! وما دون ذلك؛ ليس من اختصاصنا، ولا من مسؤولياتنا، فإذا حصل ورفع أحدهم سلاحا؛ ليقاوم محتلها؛ فهذا واجب كفائي وكفى!

هناك جرح، هذه حقيقة، ولكن! ألا يحصل أن يتعايش الإنسان مع جراحه، ويمضي، ويواصل المسير في حياته الدنيا؟! هؤلاء نحن، وذاك الجرح فلسطين!.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية