العدد 3844
الأربعاء 24 أبريل 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
الكتابة... قهرٌ للغياب!
الأربعاء 24 أبريل 2019

هل تساءلتم يوما عن حجم المؤلفات البشرية التي تركها لنا الماضون، وعن هذه الكتب الحديثة والقادمة التي ستغص بها المكتبات؛ التقليدية والإلكترونية، هذا - جنبا إلى جنب - مع كل ما يُطرح من موضوعات ومقالات في المجالات كافة! فمنذ عرف الإنسان الكتابة لم ينفك يوما عنها، وكأنها قدره، وبها يتحدد مصيره، أو لعله وجد فيها مسؤوليته الكونية في نقل ما يدور في ذهنه لمعاصريه ومن سيأتون بعده!

وأيا كانت أو تكون أشكال الكتابة وطريقتها؛ فإنها تكشف حقيقة مهمة قد تكون غائبة عن أذهان هؤلاء الكُتّاب أو عن بعض منا؛ ألا وهي الهوس بالخلود؛ فالكتابة طريقة أخرى للوجود الحي الثابت، والتي تتفوق على عمليات التحنيط، فإذا كان الغرض من هذا الأخير ترسيخ الحضور في عالم قادم مجهول؛ فإن الكتابة تتجاوز كونها تثبيتًا متعدد الكيفيات للفرد والجماعة والمعتقد إلى الكشف عن المشاعر والبوح ببواطن النفس؛ وهذا ما قد تعجز عنه وسائل أخرى!

إذًا؛ لماذا نكتب؟ نكتب لنقهر الغياب، ونؤسس لحضورنا في عالم مادي سريع، سيمحونا في غفلة منا، وفي لحظة فجائية مباغتة، وبجملة قصيرة: نكتب لنقهر الموت! فالكتابة تشتغل بشكل عمودي باتجاه الأمام، لذلك فإنها تسير مع الزمن أو ربما تسبقه، وهي روح عصيةٌ مادتُها على الموت؛ فكيف لا يستعين الإنسان بها ليضمن استمرارية صوته وفكره وشعوره إلى أمد أبعد من ساعاته البيولوجية التي قُدّرت له تقديرا ! من هنا، فإننا لو بحثنا عن معنى (كتب) في بطون المعاجم اللغوية؛ سنجد إشارة واضحة لمعنى (التثبيت)، وهو ما يشي بحقيقة مفادها التفاتة العرب - تحديدا - إلى السبب والنتيجة معًا، اللذين يقفان خلف فعل الكتابة! ألا نقول في كلامنا المتداول: اكتب لكيلا تنسى؟! إن الكتابة -إذًا- هي الحارس الأمين للذاكرة والتاريخ اللذين يحرص أي كاتب على ترسيخهما من خلال أثره الكتابي أو مؤلفاته.

نعم، يكتب الكثيرون؛ لأنهم يعتقدون أن ما سيخطونه سيكون نافعا للبشرية، ولأن لديهم حسًا إنسانيا عاليا يرنو إلى شرف الخدمة! يكتبون لينفِّسوا عمّا يختلج في دواخلهم من مشاعر! يكتبون لأن الكتابة - من وجهة نظرهم - حرية وانطلاقة وتجاوز وعبور! يكتبون ليكشفوا للآخرين حجم الإبداع الذي يكتنزونه؛ ويكتبون ليخلقوا نماذج كتابية تُحتذى! وما بين السبب والآخر؛ إنهم يكتبون؛ ليؤكدوا حقيقة مطلقة هي أنهم موجودون على تراب هذا الكوكب!

أنت تكتب؟ إذًا أنت موجود! إذًا أصبحت رقمًا في هذا العالم! رقمًا مُؤكّدا بواسطة الكتابة! وكلما نشرت ما تكتب، وكلما خرجت كتابتك للناس؛ أكدت حضورك أكبر وأكثر.

جميعنا يطمح ألّا يكون مجرد رقم، ينتهي بمجرد خروجه من عالم الدنيا، فهل هناك أفضل من الكتابة؛ وسيلةً أو حيلة نحتال بها على الزمن المندفع بقوة؛ لنوقفه أمام لحظة دوّنا فيها أثرا ما؛ وليكون لمن يعاصروننا أو مَنْ سيخلفوننا من أجيال؛ إثباتا رصينا أننا عبرنا الطريق نفسه، وعبّدناه لهم، بعصارة ما كتبناه من فكر أو فن أو علم، فكما أن الكتابة أوجدتنا نحن؛ إنها - كذلك - تؤسس لوجود القادمين بعدنا، وعليهم هم مواصلة النهج.. عليهم أن يكتبوا الحياة؛ لتكتبهم هي؛ أنهم من الأحياء.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية