العدد 3848
الأحد 28 أبريل 2019
تجارة “الطائفية”.. المربحة المدمرة!
الأحد 28 أبريل 2019

لن يكون من الصعب على الإنسان أن يتجول في فضاء الإعلام المترامي الأطراف من وسائل التواصل الاجتماعي صعودًا إلى الفضائيات ونزولًا إلى المواقع الالكترونية والمدونات والمسموعات والمرئيات ليجد ثمة تجارة خبيثة، مربحة هي بالنسبة لتجارها لكنها مدمرة لاستقرار المجتمعات وسلامتها وسلمها الاجتماعي ونسيجها الوطني.. تلك هي تجارة “المنتجات الإعلامية الطائفية”، فكل من أراد أن يحقق لذاته المسلوبة شيئًا من الفتات، راح يتاجر في الطائفية.

وعلى أية حال، لا يمكن لتجار الطائفية أن يظهروا ويبثوا سموهم إلا في الدول والمجتمعات التي هي في الأصل تشجع هذا الفعل، خذ مثلًا (نموذج الصوت الطائفي) سواء في الخليج أو في العالم العربي والإسلامي، وستجد أن مسيرته في بث الطائفية والأحقاد طويلة ومتكررة دون رادع، لكن هذا النموذج – حين يعيش في دولة أوروبية مثلًا – فإنه “يخسأ” أن يثير أمرًا طائفيًا لأنه سينال جزاءه الشديد في مجتمعات لا تقبل بالتعرض للأديان والمذاهب بالإساءة، ولا تسمح لكائن من يكون أن يسمم التعايش والسلم الاجتماعي فيها بأفكاره الدنيئة.

كتبت في هذا النطاق العديد من المقالات على مدى سنين، وسأعيد الحديث للتذكير بمقولة لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر عن حرب المئة عام بين السنة والشيعة، وهي محور رئيس لتفسير الصراعات القائمة في منطقة الشرق الأوسط، لأن نجاح فرض الهيمنة، يتطلب إشعال الصراع المذهبي والطائفي والإثني والعقائدي لا سيما بين السنة والشيعة، وبهذا نصل إلى خلاصة مفادها أن الدوافع الطائفية في مناطق مختلفة من العالم العربي والإسلامي ما هي إلا تخطيط ماكر وتوظيف ذكي لورقة الطائفية لإضعاف المجتمعات وتفتيتها عرقيًا ودينيًا ومذهبيًا.

وعلى شاكلة حرب المئة عام بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا أواخر القرن السادس، يمكن اشعال الحريق الطائفي في المجتمع الإسلامي بتأجيج وتوسعة الصراع السني الشيعي، والأخبث في المسألة كلها هي توظيف المنابر التكفيرية والمتشددة والمتطرفة من الجانبين، ودعم منصات الإعلام المأجور وفضائياته لصب الزيت على النار، وإضرام الدمار في كل بيت إن أمكن، بما في ذلك بث محركات الفتن والقضايا الصدامية حتى بين أتباع الدين الواحد بل والمذهب الواحد.

والخلاصة الأهم، أن الممارسات الطائفية تدمر مقدرات المجتمعات العربية والإسلامية، ومنها المجتمع الخليجي قطعًا، من خلال توظيف الصراعات العابرة للحدود، فهي كفيلة بتفجير الأوضاع الداخلية في هذا البلد أو ذاك، والنتيجة إضعاف الاقتصاد وسحق السلم الاجتماعي وتسميم النسيج الوطني، وبالتالي، تدمير الاستقرار.

إن الأبواق الطائفية وهي تصول وتجول وتشعر بالأمان دون رادع، هي في حقيقتها، تسعى لتحطيم الأوطان من الداخل.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية