العدد 3851
الأربعاء 01 مايو 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
المجد والاكتئاب “10”
الأربعاء 01 مايو 2019

هو نزار المجد مرتلا حزنه على فلذة كبده “أشيلك، يا ولدي، فوق ظهري

كمئذنة كسرت قطعتين.. وشعرك حقل من القمح تحت المطر.. ورأسك في راحتي وردة دمشقية .. وبقايا قمر.. أواجه موتك وحدي..وأجمع كل ثيابك وحدي .. وألثم قمصانك العاطرات.. ورسمك فوق جواز السفر.. وأصرخ مثل المجانين وحدي.. وكل الوجوه أمامي نحاس.. وكل العيون أمامي حجر

فكيف أقاوم سيف الزمان وسيفي انكسر؟ ورغم وجعه النازف عاش كوكتيل الحياة بخلاف قيس بن الملوح الذي قتله التعلق حين اختصر الحياة في حب ليلى “فأنت التي إِن شِئتِ أَشقَيتِ عِيشَتي وَأَنتِ الَّتي إِن شِئتِ أَنعَمتِ باليا”، إلا أن قيس وجد جزءا من الحل: “فَيا رَبِّ إِذ صَيَّرتَ لَيلى هِيَ المُنى فَزِنّي بِعَينَيها كَما زِنتَها لِيا وَإِلّا فَبَغِّضها إِلَيَّ وَأَهلَها فَإِنّي بِلَيلى قَد لَقيتُ الدَواهِيا”.

اللعب مع الحب أشبه باللعب مع السكين بحثا عن حنين، أشبه بمن يحتضن تمساحا أملا في قبلة أو تنين رغبة في دفء، ومن أفعى طمعا في وفاء. وكل هدية تقدمها في العشق تتحول إلى خنجر، فأنت تختار مقاس طول الجرح بمقدار قياس هيامك، وكلما أوغلت في صناعة الذكريات الرومانسية كلما طال انتظارك في استقبال نعوش ذكرياتك محملة بأكفان مشاعرك في مقبرة الانتظار القاتل.

فكل همسة تتحول إلى مدية، وكل قبلة قنبلة، وكل بحر همست بجواره فرحا يستحيل زنزانة ذكرى تخنقك في المستقبل، ووحدك تبقى في غربتك للنسيان تسعى لمحو الذكريات كمن يسعى لإزالة زجاج منثور ومختلط بكأس عسل. واختلف مع مستغانمي، إذ قالت “لا أفقر من امرأة لا ذكريات لها، أثرى النساء ليست التي تنام متوسدة ممتلكاتها، بل من تتوسد ذكرياتها”. يقول الأمام علي عن الحب “لا أجر فيه ولا عوض”، بمعنى طعناتك بلا تعويض.

هم عظماء المجد، أكثرهم تحطمت حياتهم من خنجر الحب، وكل واجهه بطريقته. هزموا الإبداع، وترنحوا بين يدي الحب كحمامة تترنح من الذبح، ففان جوخ قاده الحب للمصحة النفسية مجنونا بعد أن وهب بعد قلبه أذنه المقطوعة، وشكسبير بعد مسرحية روميو وجوليت ترك قلبا له مكسورا في خفايا بقية مسرحياته، وسلفادور دالي مات معنويا يوم موت حبيبته، وكره الحياة، ولوركا راح يلهث لفرنسا لحبه حتى مات قتيلا بغدرالرئيس فرانكو بإسبانيا، والملكة كرستينا ملكة السويد، فتركت بسبب العشق، العرش الملكي هاربة إلى إسبانيا منتحبة كسيرة، والملكة أوكيني أمبراطورة فرنسا، فماتت في إسبانيا في غربة بعد ضياع العرش والجمال والحب ونهب وصيفاتها قلائدها وذهبها. أما الملكة العذراء إليزابيث الأولى، فكرهت الحب، فماتت عزباء كارهة للرجال وغدرهم، وأوسكار وايلد، فالحب قاده للمحاكم والإفلاس جائعا، والشاعر الفرنسي بودلير فراح يعوض عنه ببائعات الهوى في حانات باريس، وآرثر رامبو، فاستعان عنه بحقائب السفر ترحالا في إفريقيا. أما دي ساد ماركيز، فقادته بهيمية الحب لزنزانة انفرادية في عهد نابليون بونابارت.

هذا ما يفعله العشق بضحاياه. لا أحد يستحق العشق غير الله، والذات بلا نرجسية متضخمة. لو أنهم نوعوا في رئات التنفس بكوكتيل الحياة لما أصابهم ما أصابهم. الحب يعطيك الجنة في البداية، وجهنما بالتقسيط. العشق يعكس إضرابا نفسيا نعوض من خلاله عن طفولة حرمان مضطربة او انكسار داخلي؛ بسبب فشل ما في الحياة، غربة وطن أو ديكور زواج ناشط فقط في المناسبات أو شعور بالوحدة من مجتمع أو غدر أصدقاء أو يتم أم أو اختناق منصب.

وإذا العشق جاء على كبر يكون قاتلا، وأكثر فضاعة إذا وقع العاشق في حضن امراة هي فخ بشري بقطعة جبن على هيئة جسد تسمى عشيقة ومصاصة مال وصحة ومجد. تقول مستغانمي “الحب هو ذكاء المسافة. ألا تقترب كثيرا، فتلغي اللهفة، ولا تبتعد طويلا فتُنسى.

ألّا تضع حطبك دفعة واحدة في موقد من تُحبّ. أن تبقيه مشتعلا بتحريكك الحطب ليس أكثر، دون أن يلمح الآخر يدك المحرّكة لمشاعره ومسار قدره. أوه ... كم يتقن لعبة نقل النار بين الحطب، وإنقاذ الشعلة في اللحظة الأخيرة قبل أن ينطفئ الجمر بقليل. فهل استطاعت مستغانمي إنقاذنا في رواياتها “الأسود يليق بك”، “ذاكرة جسد”، و “سرير عابر” من هذا الحب المدمر؟ فماذا فعل العشق بانجلينا جولي والأميرة ديانا، والملكة كرستينا، فالاولى خسرت نكهة الحياة، والاثنتان الحكم والحياة. كثير من الشهيرات يعوضن كسر الحب بجبر إنساني، وهن يحاولن إطفاء حرائق قلوبهن بدموع أطفال مخيمات الجوع وضحايا الحروب.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية