العدد 3851
الأربعاء 01 مايو 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
معاقون.. من دون أن ندري!
الأربعاء 01 مايو 2019

لا يكاد ينجو واحد منا من الإعاقة؛ فغالبيتنا يُولد بها؛ ظانًا نفسه سليمًا منها 40 قيراطا؛ فما أنْ تلد المرأة – منّا - طفلها؛ حتى يبدأ أهله بتحسس أصابعه، يعدونها، وهم يتضاحكون - في فخر - بطفلهم المكتمل الأجزاء والأطراف، والذي يخلو من أية إعاقة جسدية! وطبعا مع مرور الوقت يراقبون مستوى فهمه واستيعابه لما يدور حوله، ومن ثم؛ يصكونه بصكّ السلامة، والحمد لله، والباقي على التربية!

وكأن التربية؛ تحصيل حاصل لا يُقلق ولا يُوجع، مادام طفلهم تجاوز مراحله الأولى! غير أنها هي مربطُ فرس الإعاقة! وما أدراكم ما خطورتها! فكلما استطاع طفلهم تقليد سلوكهم، وكلامهم، وبالتدريج معتقداتهم وأفكارهم؛ كان التصفيق الحار له صدّاحًا وعاليا؛ فطفلهم فَطين، حصيف، ذكي، ولمّاح، وتربيتهم له ناجحة ناجعة، وهم يشكرون ربهم ليلا نهارا؛ كلما رأوا الجيل الوليد؛ يُقلد بامتياز ما جاء به السلف من جماعتهم!

الفكرة في كلمات بسيطة؛ أننا نُولد، ونخرج إلى هذه الحياة الدنيا أنقياء الذهن، والسريرة؛ فتتم تغذيتنا؛ جسديا وعقليا، ونحن لا حول لنا ولا قوة، ولا اختيار! فمعداتنا تملأها أمهاتنا بما تظنن أنه صالح لنا؛ لنكبر، وندخل في مصافّ الرجال والنساء! أما عقولنا فيشتغل على ملئها الجميع؛ بدءا بالوالدين، اللذين يحرصان بدقة على تغذيتها بأفكار، وقيم، وعقائد الماضين، ثم يتولى المجتمع المحيط استكمال الدور، ضمن الدائرة نفسها، من دون شطط، أو تجاوز، أو نقصان، أو زيادة!

هذا طبيعي، ولا تختلف أمة واحدة عليه، منذ بدء الخليقة، ولكن! ما هو غير طبيعي أن يُحْجر التفكير في تلك الموروثات، أو تُرفض المناقشات، ولاسيما في بعض ما يُعدّ مسلمات أو بديهيات، وكأن الخوض فيها – مجرد الخوض – خروجٌ عن النص، غير مقبول، ومُستهجن، وكفر، وارتداد! ولذلك؛ فإن الأسلم والأحوط والأريح؛ هو أن يأخذ الواحد منا مسافة بعيدة عن منطقة السؤال/ الجريمة؛ لكيلا يناله من عقاب الجماعة ورفضهم الشيء الكثير، والنتيجة: زيادة في التسليم بالمُسلّم، وتنويم للعقل، واستراحة طويلة، تنتهي بالوفاة، وإنتاج أجيال كُسالى التفكير، مشلولي الدماغ!

إننا ما انْ نُولد؛ حتى يشتغل آباؤنا كما اشتغل آباؤهم– من حيث يشعرون أو لا يشعرون – على ترسيخ الإعاقة الذهنية لدينا، تلك التي تُحصن أو تحرس معتقداتهم في عقولنا، في الوقت الذي تحظرعلينا بشدة الولوج في حيثياتها المُقدسة! فجمودنا على ما جمدوا عليه يُصنف نبوغًا، وتحريكنا لحرف منه؛ يصنف بِدعةً وخيانة، وخروجًا! إننا معاقون – يا سادة – من دون أن ندري!.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية