العدد 3858
الأربعاء 08 مايو 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
أصدقائي لا يصومون معي!
الأربعاء 08 مايو 2019

لم يلتفت الكبار إلينا، ونحن لم نزل صغارا أو محسوبين من فئة المراهقين في مدارسنا أو أحياء مدننا أو قرانا، وهم يمارسون طقوسهم الدينية المقدسة في استهلال هلال رمضان! لم يلتفتوا إلينا قطُ وهم يؤكدون الرؤية الفلكية للهلال، أو العين المجردة أو المسلحة له، والتي جاهدنا لنفهم معانيها بعد أن كبرنا! نعم، لم يلتفتوا إلينا وهم مشغولون بتأدية ما كُتب عليهم، ثم علينا من أداء واجب الصيام في وقته المنظور أو المعلوم المؤيَّد بالدليل أو الشاهد أو العين!
لم يلتفتوا إلينا؛ فهم مشغولون بترسيخ المعتقد، والتأكد جاهدين من صحة التوقيت، ولا خلاف ولا نقاش حول هذا الموضوع؛ فمنذ وعينا إلى هذه الدنيا، وبدأنا نميز طبيعة معتقداتنا؛ أدركنا أننا (نختلف)، فزملائي الذين شاركوني فصل الدراسة لا يصومون مع طائفة من جماعتي في اليوم نفسه، وأصدقاء الطفولة الذين كانوا يشقون معي الأزقة في قريتنا لهم توقيت عيد وصيام مُختلفين عنا، وهذا راجع – ولا جدال – إلى الاختلاف الفقهي بين طوائف المسلمين، بل الطائفة نفسها!
لكنهم – وأصرُّ- لم يلتفتوا إلينا ونحن ننقسم في المدارس والطرقات، ونحن نتشظى إلى فريق هنا، في مقابل فريق هناك! كنا صغارا تجمعنا طفولتنا، وعلى حين غرة من براءتنا؛ يتهامس بعضنا إلى بعض كلمات الفِرقة، والاختلاف، وأنت معي وأنت لا، وهذا ينتمي إلينا، وذاك لا! ومن دون وعي منا نُشكل جماعات الأصدقاء الذين ينحدرون من فئة معينة، تتميز بالتطابق، والانسجام، وتتجاهل ما يختلف عنها، بل قد نبدأ بنسج العداوات مع الأطفال الآخرين، من الجماعات الأخرى، والآراء المغايرة والمختلفة عنا!
ليت الكبار، نظروا قليلا إلى القامات القصيرة الصغيرة التي تراقبهم، وتُكرر من غير فهم أو نُضج الكلمات التي يعتقدونها! ليتهم انتبهوا أن كل طفل منا ليس سوى مُقلد، سيخرج إلى مجتمع مفتوح؛ لينقل ما يدور في محيطه الصغير، ومن دون أن يستوعب، سيُداهمه الاختلاف الذي سيرسخ لديه مفاهيم الخلاف حين يَشبّ أو يكبر، وحينها لات حين مناص، ولن تعدو مؤتمرات التسامح الديني سوى بهرجات شكلية لا قيمة لها، فهناك وشم قديم عميق لن تقدر على محوه عمليات التجميل (الليزرية)!
للكبار الذين مازالوا في غفلة عن صغارهم ومراهقيهم، وهم يمارسون الاختلاف، بحجة اختلاف المذاهب الفقهية، ولمن يتغنى برحمة الاختلاف، فقط، وقفة بسيطة مع الطفولة التي تُجرح براءتها دون أن تلتفتوا، علموهم من البيت مفاهيم الاختلاف، فهم (يفهمون)، وحواسهم ليست معطلة، قبل أن يتهامسوا فيما بينهم، ليؤسسوا – دون إدراك – نزعة الخلاف، التي لا يمحوها في المستقبل سوى ماكياج مؤقت!.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية