العدد 3859
الخميس 09 مايو 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
المجد والاكتئاب (12)
الخميس 09 مايو 2019

مهما كبرنا نبقى أطفالا في داخلنا نبحث عن أرجوحة، عن لعبة نتلهى بها، وعن كلمة حانية تلامس مشاعرنا الممزقة، وعن لمسة تتذوق نكهة قطرة ندى الحب، وهي تتأرجح على جسد أضناه الزمن، وإحساس لعبت به الحياة. ازرع خنجرا على قبري، ولكن أعطني وردة وأنا حي. يقول نيتشه: (البعض يولدون بعد موتهم !)، فلا يقدرون.
ّإلا إذا احتضنهم التراب. عظماؤنا الذين قدموا لنا كل هذه الحضارة والثراء الأدبي والثقافي، أغلبهم أدخلوا المصحات النفسية، وسجنوا فيها. لقد سجنوا ماركيز دي ساد، وسجنوا نيتشه، وسجنوا بودلير.. وكونراد، وموباسان، وهولدرلين، وهمنجواي، وفان جوخ، والتوسير. كانوا يصرخون ويبكون داخل المصحة. هذا القدر قاتل، وغير منصف، فهل تكون ضريبة العبقرية والمجد المصحة النفسية والعذاب الأبدي؟ كان يعاني الفيلسوف الفرنسي البيركامو صاحب رواية الغريب، والفائز بجائزة نوبل بيأس قاتل. هناك بداخله وحش يأكله من الداخل من غدر الحبيبة. أنا من دعاة زواج الحب لا حب الزواج؛ كي لا تكون العلاقة من الخارج ثوب حريريا، ومن الداخل بزة سجن. يقول جبران ((تسلُك المرأة طريق العبيد لتسود الرجل، ويسلك الرجل طريق الأسياد لتستعبده المرأة)) كثير من العظماء عزفوا عن الزواج، فديكارت لم يتزوج،، وكذلك الأمر بالنسبة لكانط، وسبينوزا، ونيتشه، وسارتر، وميشيل فوكو، وفولتير ومي زيادة وجبران خليل جبران، بعضهم تزوج وفشل فشلا ذريعا مثل أوسكار وايلد وأفلاطون وبرتنارد راسل والبركامو وروسو؟ أقول لو كل عظيم اعتمد كوكتيل الحياة، وقام بنقد حياته بشكل موضوعي، وأزال الأتربة لما وقع ضحية الاكتئاب أو الانتحار. العذاب عندما تحصر نفسك في ركن من أركان الحياة، ولا تحاول أن تخرج منه أو تفتح نافذة سجنك لترى حجم آلاف الأركان الجمالية في هذا العالم، أكان هذا الركن عشق رجل لامراة أو عشق امراة لرجل أو هوس مال أو جنون شهرة أو ولع ثقافي. لماذا أغلب الفلاسفة والمثقفون ينسون بقية متع الحياة حتى ينسوا لباسهم وهندامه أيضا، بلا أناقة ولحاهم مطلقة أو ثيابهم بالية؟ أو بشكل غريب، فنيتشه بشاربه الكثيف، ودالي بشاربه المعكوف، وتولستوي وماركس بلحاهم المطلقة، وأنتوني كاودي بثيابه الممزقة؟ من قال الأناقة لا تتناسب مع الثقافة؟ إنه الهوس في الكتابة الذي يشغل الإنسان عن بقية متع الحياة. كسروا أصنامكم وانطلقوا في الحياة، فالعالم مليء بالجمال. للتو رجعت من باريس قاصدا مقبرة العظماء، وزرت قبر فيكتور هوكو، وقبر فولتير، وقبر جان جاك روسو. شعرت بالعظمة وكانت متعة لا تضاهيها متعة، وسوف أزور قبور ومتاحف كبار مثل تيلستوي ودوستوفيسكي بروسيا، ومنزل غوستاف فلوبيربباريس ومايكل أنجلو بإيطاليا. يا لها من متعة كبيرة! كل هذه متع غائبة عنا. أقول: اكتئابهم بسبب هوس بشيء ونسيان بقية الحياة، بودلير سجن نفسه في هوس بأمه حاملا عقدة أوديب. في باريس حصلت على صورة لرسمة الرسام الفرنسي الشهير كلود مونيه، أحد مؤسسي المدرسة الانطباعية. كان أسطورة، لكن مشكلته هي هوسه بجلد ذاته، ومازوخيته وتقليله حجم عظمته. دخل ركن الفن، فلم يخرج منه.
بلزاك كان مهووسا بالكتابة، ونسي متع الحياة، فآثر على صحته. وكان بسبب القروض يتخفى في البيوت خوف الدائنين. على المبدع أن يعيش الحياة، يلبس أجمل اللباس، يسافر أجمل الدول، ولو وحيدا، ويأكل أفضل أكل صحي، ويبحث عن أماكن الجمال في العالم، لا أن يحصر نفسه في الكتابة، أو في أي إبداع وينسى متع الحياة، فالنفس تمل عندما تحشرها في زاوية من الحياة، ثم تصرخ باكيا من اكتئاب. قاعدتي في الحياة (الفرح لا يؤجل). بودلير مسرف في الخمر، فدمر صحته، وبيتهوفن في الخمرة والمخدرات، وفرويد في التدخين، وبيكاسو في النساء، ورامبو في فوضى الحياة وطيش الشباب، وجان جنيه في كره باريس واللصوصية وكتب مذكرات لص، وكافكا في الذعر والفوبيا من المرض بوسواس قهري، والإسباني العظيم أنتوني كاودي في إهمال الذات وهو باني أجمل كنيسه بالعالم (ساغرادا فاميليا) في برشلونه. أهمل لباسه وشكله وذات يوم صدمه ترمب، فظن المسعفون بسبب لباسه المتهرئ أنه فقير مشرد، فأخذوا به إلى مستشفى الفقراء، فلما عرفه الطبيب أراد أن ينقله لمستشفى الأغنياء الخاص إلا أنه مات. لا أتفق مع شوبنهاور عندما قال (حياة الوحدة مصير كل الأرواح العظيمة)، إذ وجد الشريك المناسب، فهي نعمة وإلا فكن شريك نفسك، واستأنس حتى بظلك في السفر. أتعجب من عظماء أو عظيمات يمتلكون كل مؤهلات الاستمتاع بالحياة، لكنهم يخنقون أنفسهم في عشق تخرج منه رائحة قمامة الحب من طرف واحد أو امراة عظيمة على استعداد أن تنام على رصيف وتتنازل عن كل ممتلكاتها في سبيل رضا جرد بشري يأكل في قلبها ومحفظتها في سبيل أن تجد صدقة عاطفية من قلبه الآلي الذي هو أشبه بآلة حاسبة كل نبضة بدولار!! كثير من فتيات اليوم يضحك عليهن باسم الحب!! كل يعيش في زنزانته الخاصة ولا أحد يفكر في الخروج ليكتشف الحديقة التي هي خلف الزنزانة. ثم نصرخ نحن نعتصر من الألم، ولماذا نعاني الاكتئاب؟ كم هو عظيم نزار قباني، فرغم جراحه إلا أنه عاش الحياة، فلم يملكه لا منصب ولا شهرة ولا مال، وعاش متجولا مع ظله يعيش كوكتيل الحياة. توجع من قتل حبيبته بلقيس، حيث حفر على رخام قبرها هذه الكلمات (بلقيس../ يا عطرًا بذاكرتي../ يا زوجتي.. وحبيبتي.. وقصيدتي/ نامي بحفظ الله... أيتها الجميلة/ فالشعر بعدك مستحيل../ والأنوثة مستحيلة”. وهو الذي كان يرتشف كأس الحب ممزوجا بالوجع قائلا: بلقيسُ...
‎كانتْ أجملَ المَلِكَاتِ في تاريخ بابِِلْ
‎بلقيسُ..
‎كانت أطولَ النَخْلاتِ في أرض العراقْ
‎كانتْ إذا تمشي..
‎ترافقُها طواويسٌ..
‎وتتبعُها أيائِلْ..
‎بلقيسُ.. يا وَجَعِي..
‎ويا وَجَعَ القصيدةِ حين تلمَسُهَا الأناملْ
‎هل يا تُرى..
‎من بعد شَعْرِكِ سوفَ ترتفعُ السنابلْ؟

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية