العدد 3862
الأحد 12 مايو 2019
تحقيق التوازن المالي بين دعم الفئات الضعيفة ورعاية الطبقة المتوسطة
الأحد 12 مايو 2019

المبادرات والجهود التي تبذلها الدولة من خلال المسؤولين عن القطاع المالي والاقتصادي في سبيل تحقيق التوازن المالي تستحق الكثير من الإشادة والثناء، وهذا بالفعل ما تضمنه تقرير المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي الذي صدر قبل بضعة أيام.
فقد أثنى التقرير على ما بذله المسؤولون المعنيون من جهود في الآونة الأخيرة لمعالجة مواطن الضعف المالية والخارجية بما في ذلك المبادرة بفرض ضريبة القيمة المضافة (VAT) وتفعيل خطة التقاعد الطوعي كأداة للمساعدة في احتواء فاتورة الأجور.
وأشاد التقرير كذلك بالتدابير التي اتخذت مؤخرًا لتعزيز الرقابة على البنوك وتنظيمها وبالجهود المبذولة لتأكيد كفاءة إدارة الديون، وإضفاء الطابع المؤسسي على الإطار المالي، وأوصى التقرير بضرورة الاستمرار في ضمان قدر أكبر من الشفافية في البيانات لتعزيز مصداقية خطط الإصلاح المالي التي يعكفون على تنفيذها.
إلا أن التقرير شدد على ضرورة الشروع في تنفيذ ما أسماه ب “مزايا في تدابير التوحيد المالي الإضافية” التي تشمل فرض ضرائب مباشرة، وخفض إعفاءات ضريبة القيمة المضافة، والتخلص التدريجي من الإعانات غير المستهدفة، مع حماية المستضعفين.
والمعروف ان انخفاض أسعار النفط منذ العام 2014 أدى إلى اتساع الاختلالات المالية والخارجية وزيادة حدة الضعف في الاقتصاد الكلي، ما حدى بالحكومة أو اضطرها إلى تبني برنامج التوازن المالي الذي يهدف إلى تقليص العجز المالي وتحقيق نقطة التوازن بين المصروفات والإيرادات في الميزانية العامة مع نهاية العام 2022، وذلك عن طريق زيادة الإيرادات غير النفطية وتحسين كفاءة الإنفاق.
والواضح أن الحكومة قد وضعت مشكورة إطارًا لمتابعة تنفيذ البرنامج لضمان تحقيق الأهداف المرجوة منه ومواءمتها مع التطورات الاقتصادية المحلية والعالمية، للاستفادة من النمو الاقتصادي في زيادة الدخل الحكومي مع مراعاة ظروف واحتياجات الفئات الضعيفة في المجتمع وحمايتها.
وفي هذا الإطار، وقبل بضعة أسابيع أمر صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر بمضاعفة قيمة المساعدات الاجتماعية التي تصرف لمستحقي الضمان الاجتماعي ومستحقي مخصصات الإعاقة، وذلك ضمن جهود الحكومة الهادفة إلى تخفيف الأعباء المعيشية على الأسر محدودة الدخل وعدم تحميلها أعباء إضافية على الرغم من الصعاب والتحديات والضغوط التي تواجهها الميزانية.
مثل هذه الإجراءات والخطوات وأية مبادرات تسعى إلى توفير وتعزيز شبكة الحماية والرعاية للطبقة الضعيفة ومحدودي الدخل تعكس وعيًا وإدراكًا لأهمية هذه الطبقة في المجتمع وتستحق أيضًا كل الدعم والثناء والتقدير.
وهناك حاجة أيضًا إلى الالتفات إلى الطبقة الوسطى وعدم إهمالها وحمايتها والعمل على دعمها وتوسيعها، وهي حاجة لا تقل أهمية أو إلحاحًا، حيث إن هذه الطبقة هي أساس النمو والازدهار والاستقرار الأمني والاجتماعي، وهي مصدر رئيسي للابتكار والإبداع، وتكمن أهميتها في أي مجتمع من المجتمعات لكونها تشكل صمام أمان ومرتكزًا لتحقيق ترابط المجتمع وتماسكه وتقدمه وازدهاره اقتصاديًا واجتماعيًا. ويجب أن نبذل كل الجهود لدعم هذه الطبقة وحمايتها من التراجع والتآكل.
وتوجد اصطلاحات عدة لمسمى الطبقة الوسطى، ويطلق اسم الطبقة الوسطى أو المتوسطة عمومًا على فئة المجتمع التي تقع في وسط الهرم الاجتماعي والاقتصادي من حيث مستويات الدخل، ويعرِّف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (Max Weber) الطبقة المتوسطة بأنها الطبقة التي تأتي اقتصاديًا واجتماعيًا بين الطبقة العاملة والطبقة الغنية.
وتكونت الطبقة الوسطى في البحرين ودول الخليج العربية بعد انتشار التعليم ونمت تدريجًا مع النمو الاقتصادي الذي شهدته المنطقة نتيجة لارتفاع أسعار النفط، وقد استفادت هذه الطبقة كغيرها من قطاعات وشرائح المجتمع من الخدمات المجانية في التعليم والصحة والرسوم الرمزية مثل تعرفة الكهرباء والمياه وسعر الوقود الرخيص والدعم المالي الذي كانت الدولة تقدمه للمواد الغذائية الأساسية المستوردة حتى العام 2015.
وقد تغير الحال بعد انهيار أسعار النفط بنهاية 2014 وأصبحت ميزانيات الدول تعاني من عجز خطير،
ما اضطر البحرين ومعظم دول الخليج بما في ذلك المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان لمواجهة العجز وتغطيته عبر التخلي عن سياسات شبكة الدعم التي لا تنحصر على الطبقات الضعيفة والمحتاجة بل تغطي كل الطبقات وتنتشر وتتسع لتغطي حتى الطبقات المترفة والمتوسطة، إلى جانب رفع رسوم الخدمات واستحداث ضرائب ورسوم جديدة من دون القدرة على رفع المرتبات، وهو ما أدى بالطبع إلى تآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى وأحدث ضغوطا متزايدة على مستوى المعيشة للمواطن بشكل عام، ما أدى بدوره إلى تراجع نمو الطبقة الوسطى التي أصبحت شريحة واسعة منها ترزح تحت وطأة الديون المتزايدة التي لجأوا إليها؛ ليتمكنوا من المحافظة على مستوى المعيشة الذي اعتادوه.
وأظهرت دراسة للبنك الدولي أن الطبقة الوسطى الخليجية تتراوح نسبتها بين 20 و30 % من أفراد المجتمع مقارنة مع 45 % في أميركا و55 % في الهند والصين، وفقًا لمقياس دخل الفرد مقارنة مع نصيب الفرد من الدخل القومي. وتقول الدراسة إن الطبقة الوسطى في الخليج التي تتشكل في الأساس من كبار الموظفين في الدولة والقطاع الخاص من خريجي الجامعات بدأت تتقلص بدرجة كبيرة خلال الأعوام الأخيرة، ويحدث ذلك للأسباب المذكورة أعلاه إلى جانب ارتفاع نسبة البطالة بين العدد المتزايد من خريجي الجامعات من جهة وعمليات بيع مؤسسات القطاع العام وعدم تمكن الدولة من خلق وظائف جديدة؛ بسبب الحاجة إلى خفض الإنفاق العام، والمعروف أنه كلما ارتفعت البطالة بين خريجي المؤهلات العليا تقلصت الطبقة الوسطى.
وبالنسبة للدول العربية الأخرى فإن الطبقة المتوسطة فيها تتجه إلى التلاشي والانقراض، فشعوب هذه الدول بشكل عام تعيش للأسف الشديد تحت وطأة ضائقة مالية وأزمات اقتصادية ومعيشية تهدد بانفجار وشيك، وقد بدأت بوادر وإرهاصات التذمر بالظهور في السودان والجزائر والأردن وتونس، حيث يحاصر الغلاء والضرائب المتزايدة وتدهور القيمة الشرائية للعملات وبرامج التقشف التي يفرضها صندوق النقد الدولي الطبقات الوسطى وفئات العمال هناك، وتهدد باحتجاجات صاخبة وثورات، وتعاني معظم هذه الدول ضغوطا ناتجة عن ارتفاع حجم ديون صندوق النقد الدولي التي بلغت 57 مليار دولار حتى نهاية العام الماضي، حسب “وول ستريت”، وهذه الديون مشروطة ببرامج تقشفية صارمة وقاسية تطالب الحكومات العربية بخفض الدعم عن السلع والخدمات الضرورية وزيادة الضرائب وتقليل الإنفاق الحكومي، وهو ما سيؤدي بالنتيجة إلى انعكاسات سلبية على الطبقة الوسطى وذوي الدخول المنخفضة.
وقد انخفضت نسبة الطبقة الوسطى إلى 60 % في الدول الأوروبية بعد أن كانت 70 % قبل عقدين من الزمن، والدول الغربية تواجه أيضًا أزمة انحسار الطبقة الوسطى، ما ستترتب عليه انعكاسات خطيرة على مستقبل بقاء النظام السياسي الديمقراطي والاقتصاد الرأسمالي وتماسك النسيج الاجتماعي في المستقبل، وهذا ما أكدته دراسة أصدرتها قبل أيام منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (OECD)، وبالفعل فقد تزايدت مظاهر الغبن الاجتماعي ونشوء الأحزاب القومية والحركات الشعبوية في أوروبا، والتي تعمل على تمزيق الاتحاد الأوروبي، وتهدد بتفتيت المجتمع.
إن تراجع نمو الطبقة الوسطى في المجتمعات الغربية سيؤدي إلى تزايد اضطراب الأنظمة السياسية، وقد ظهرت بالفعل عوامل التصدع في أوروبا من خلال ارتفاع شعبية الأحزاب القومية مثل حركة “فايف ستار” في إيطاليا، والأحزاب العرقية واحتجاجات “السترات الصفراء” في فرنسا.
وتنصح الدراسة الحكومات الأوروبية بأن تبتدع سياسات لدعم الطبقة الوسطى التي تعاني حاليًا من التقلص وتراجع الدخول، وهي نصيحة يجب أن نأخذها نحن أيضًا بعين الاعتبار.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية