العدد 3863
الإثنين 13 مايو 2019
حلول واقعية لتوسيع مساحة الطبقة الوسطى في الهرم السكاني
الإثنين 13 مايو 2019

مقال عبدالنبي الشعلة المنشور أمس في صحيفة “البلاد” بعنوان “تحقيق التوازن المالي بين دعم الفئات الضعيفة ورعاية الطبقة المتوسطة” جميل، وما يقترحه من تعزيز وتقوية دور الطبقة الوسطى حتى تتلافى مجتمعاتنا أية ثورات أو اهتزازات أو بروز تيارات طائفية متطرفة أو شعبوية رافضة للواقع السكاني المشوه في البحرين من غلبة العمالة الوافدة المهاجرة. هناك حلول آنية وواقعية لتوسيع مساحة الطبقة الوسطى في الهرم السكاني، وحلول متوسطة وطويلة المدى أيضًا.
أولًا: التعامل مع الطبقة الوسطى ذات الدخول أقل من 2000 دينار، بمن فيهم المتقاعدون كالتعامل مع الفئات ذوي الدخل المحدود؛ وذلك لأسباب عديدة، أهمها أن معظم هذه الشريحة أصبحت تعاني من تآكل دخولها التقاعدية؛ بسبب عدم حصولها على امتيازات الإسكان والإعفاءات والدعم الاجتماعي، في ظل زيادة المصروفات الثابتة لديها كأسعار المحروقات والكهرباء وغيرهما، خصوصا أن هذه الشريحة تتميز ومعها معظم الشرائح الأخرى بأن أبناءهم ذوي الرواتب الضعيفة حتى وإن كانوا حملة الشهادات الجامعية لا يستطيعون لوحدهم تأسيس أسرهم النووية بعد الزواج، ما يضطرهم للاعتماد بشكل شبه كبير على مداخيل آبائهم المتقاعدين في تكاليف الحياة الزوجية وهذا يعني عمليًا أن الراتب التقاعدي الأقل من 2000 دينار كمتوسط يتآكل ويتم توزيع أو تسريب نسبة كبيرة منه للأبناء حتى وإن لم يكونوا عاطلين عن العمل، فما بالك لو أن هذا الأب يرعى أبناء عاطلين. مراعاة هذه الشريحة التقاعدية وعدم المساس بمداخيلها تعني بقاء مستوى المعيشة عند حد عدم انتقالها من الطبقة المتوسطة إلى الطبقة الفقيرة أو متوسطة الدخل.
ثانيًا: حسب الإحصاءات، هناك نسبة من العاملين في القطاع الحكومي من غير المواطنين رواتبهم الشهرية أكثر من 2000 دينار، ولذلك وبطريقة سهلة وسريعة من الأهمية إحلال البحريني المؤهل لهذه الوظائف ذات الرواتب العالية، ولهذه الخطوة نتائج واضحة من انتقال شريحة من المواطنين ذوي الدخل المحدود إلى الطبقة المتوسطة، وزيادة نسبة الاشتراكات في صندوق التقاعد، وتقليل نسبة التحويلات المالية للخارج، وإذا ما تم تطبيق هذه الآلية على ذات الوظائف عالية الرواتب في القطاع الخاص فإن النتائج ستكون أكثر إيجابية على نسبة الاشتراكات في صناديق التأمين الاجتماعي والتقاعد، وزيادة مساحة الطبقة الوسطى المواطنة وتصحيح بعض التشوهات في سوق العمل وتخفيض التحويلات المالية للخارج.
ثالثًا: تطبيق الضريبة التصاعدية على الأغنياء ممن في رأس الهرم السكاني ونسبتهم أقل من 10 % تقريبًا والذين يستحوذون على أكثر من 80 % من الثروة. هذه الآلية ستؤدي إلى زيادة الإيرادات الضريبية دون تآكل الطبقة المتوسطة.
رابعًا: تطبيق ضريبة على رأس مال أو أرباح الشركات والبنوك وغيرها... وهي آلية مؤثرة لزيادة الإيرادات الضريبية دون تآكل الطبقة المتوسطة.
أتمنى من أصحاب القرار الاقتصادي بأن يكونون حذرين جدًا جدًا من مطالبات وشروط صندوق النقد الدولي، الذي لديه سياسات نيوليبرالية متوحشة تطبق وتفرض بالتدريج على الدول ذات العجوزات والديون الكبيرة دون الاهتمام بنتائجها السياسية والاجتماعية، كالمطالبة بعدم التوظيف في القطاع العام، رفع الدعم، التخصيص دون دراسة للقيمة المضافة لهذا التخصيص وبالأخص في القطاعات الخدمية الضرورية لكل طبقات المجتمع الفقيرة وذوي الدخل المحدود والطبقة الوسطى، كالتعليم العام الجيد والصحة، وعدم التعامل مع هذين القطاعين الاجتماعيين بمنظور اقتصادي بحت بل بمنظور اجتماعي سياسي؛ لأنهما الرافعة طويلة المدى لزيادة الأعمار وبالتالي زيادة إنتاجية المواطن وتعويض الدولة للتكاليف التي تصرفها على الطالب منذ المرحلة الابتدائية، إضافة إلى التعليم الجيد وتشجيع المنح والبعثات لأبناء الفقراء وذوي الدخل المحدود المتفوقين ودون تمييز سوى الكفاءة والتفوق؛ باعتبار ذلك إستراتيجية طويلة المدى لتوسيع مساحة الطبقة المتوسطة في المجتمع.
وأخيرًا فإن بقاء الشكل السكاني حسب الدخل هرميًا، أي نسبة أقل من 10 % في أعلى الهرم، ونسبة 30 % تقريبا في وسط الهرم أي الطبقة المتوسطة، ونسبة 60 % في قاع الهرم أي الطبقة الفقيرة. إن بقاء هذا الشكل يعني فكريًا زيادة تقبل والجاذبية للأفكار المتطرفة سياسيا وطائفيا وايدولوجيا، واجتماعيا زيادة حالة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي وحتى الاقتصادي، واقتصاديا زيادة اللامساواة في توزيع الثروة الوطنية وبالتالي توسيع الهوة بين الطبقات، أما إذا تمكنت السياسة الاقتصادية/‏ الاجتماعية من تحويل الشكل السكاني الهرمي حسب الدخول إلى شكل معين بحيث تتوسع نسبة الأغنياء عبر انتقال شريحة من الطبقة المتوسطة للأعلى، وأن تصبح مساحة الطبقة المتوسطة هي الأكبر في الشكل السكاني من خلال انتقال شرائح من قاع الشكل السكاني من الفقراء وذوي الدخل المحدود للأعلى. إن الشكل المعين للسكان حسب الدخول والثروة هو صمام الأمان لاستدامة الاستقرار السياسي وللوسطية والانفتاح والتسامح بدل التطرف والتعصب والانغلاق الفكري.
وبالطبع نجاح هذه الإستراتيجية يحتاج لشفافية كبيرة ومحاسبة أكبر ورقابة شعبية أقوى، بوجود سلطات خمس قوية وذات صلاحيات متعارفة عليها عالميًا، وهي السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية