العدد 3866
الخميس 16 مايو 2019
الفقر ما يعيل: حكاية “خمسة فلس”
الخميس 16 مايو 2019

طبعاً، ليس لنا كلام هذه الأيام إلا مسألة “خوش فقير”، وما تبعها من تفسيرات وتأويلات ونكات وملصقات إلكترونية، حتى بعد أن تم التوضيح، فالكلمة رصاصة إن خرجت من فوهة الفم لا سبيل لاستعادتها، وصدق العرب إذ قالوا: ربّ كلمة قالت لصاحبها: دعني!
ولأنني كنت أتحيّن منذ مدة الكتابة عن موقفين شهدتهما بنفسي، فوجدت أن موضوع الحديث عن الفقر مناسب كمدخل للموضوع، وهو كما نقول في كلامنا المحلي: “الفقر ما يعيل” أي لا يجور. فلقد كنت خارجاً من محلّ تجاري وإذا بشاب بقرب سيارته يرتب نقوده في المحفظة فسمعت رنين قطعة نقدية معدنية وقعت منه، فما كان مني إلا أن انحنيت لالتقاطها وإعطائها إياه، فشكرني ضاحكاً وقال: “لقد أسقطتها عمداً... ماذا عساي أفعل بقطعة من فئة خمسة فلس؟” أي خمسة فلوس إن شئنا صحة اللغة. لا أعرف ما التعابير التي ارتسمت على وجهي حينها، ولكنني أخذت القطعة معي، فهي كالخبز في ثقافة الزمن الذي تربّيت فيه، لا يجوز رميه في الشارع، إنها نعمة، وإن صغرت، لا تسمن ولا تغني من جوع وتنتظر 20 قطعة مثلها لتصبح 100 فلس لا تكاد تشتري بها شيئاً، ومع ذلك، رمي النعمة على الأرض حرام!
الموقف الأدهى من هذا حدث قبل سنوات أبعد، إذ كنت واقفاً في إشارة مرورية فإذا بأحد المتسولين المعروفين في البحرين والذي تبدو عليه علامات المشاكل العقلية، وحتى أستغل الوقت القصير قبل أن تخضرّ الإشارة في هجير شهر من شهور الصيف، جمعت القطع النقدية التي لديّ في السيارة وأعطيتها إياه... رأيته يتفحص القطع، يبقي الفضية منها فقط، أما القطع البرونزية الصغيرة “أم خمسة فلس” فيضعها على ظفر إبهامه بعد أن يقوّسه، ويطوّح بها وراء ظهره استصغاراً لها وتحقيراً، في حركة طبيعية جداً تشير إلى أنه يقوم بهذا التصرف مراراً... بعد مدّة رأينا فيديو يصور هذا المتسول نفسه في أحد فروع المصارف يودع كيساً من القطع المعدنية لا يحمله إلا ذو العزم من الرجال... فلا عجب ألا يلتفت لصغائر الأمور والنقود!
يقرّ في ثقافتنا أن التفريط بالنعم - وإن صغرت - يقود إلى الفقر.

 لا أجد دعماً علمياً لهذا الاعتقاد، ولكنه اليقين أن عاقبة سيئة تحيق بمن لا يشعر بالامتنان للقليل، لأنه لن يرى الصورة الكلية التي تشكلت منه.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية