العدد 3867
الجمعة 17 مايو 2019
لا تؤجر عقلك
الجمعة 17 مايو 2019

كم كان محقا ذلك المفكر الذي قال ذات يوم “لا تدع الآخرين يستأجرون مساحات من عقلك وتفكيرك، ارفع قيمة الإيجار واطردهم جميعا خارج عقلك”. إنّ ممارسة التفكير الحر بعيدا عن هيمنة الآخر هو جوهر الوجود الإنسانيّ، لماذا ندع الآخر يفكر عنا؟ ألا نملك عقولا وأفئدة؟ من أكبر العاهات التي أصيب بها الفكر العربي توقف الفرد عن التفكير وترك هذه المهمة للآخرين دون إدراك للعواقب الوخيمة المترتبة على ذلك. إحدى الكوارث الناجمة عن هذا الأمر وأشدها خطرا أنه يخلق جيلا فاقدا للثقة بنفسه وبالآخرين، وها يعني أننا كأمة أصبحنا عالة على أفكار الآخرين ومستهلكين لنتاجاتهم الفكرية والإبداعية.
الفكرة ذاتها طرحتها الرواية ذائعة الصيت “مزرعة الحيوان” للكاتب جورج أورويل والإشكالية التي عالجتها الرواية تتلخص في السؤال التالي: هل نحن من نقرر مصائرنا أم يقررها الآخرون بالإنابة عنا؟ و”الآخرون” هم كل من يقف واعظا للناس. الروائي أورويل يؤمن بقدرة الإنسان على تصحيح مسار حياته والتغلب على الصعوبات والتحديات التي تواجهه وهذا لن يتحقق إلاّ بممارسة حق التفكير وحده وألاّ نترك هذه المهمة بالغة الأهمية للآخرين للتفكير بالنيابة عنا. قد تبدو مهمة التفكير المستقل ليست بالسهولة الممكن تخيلها، ذات مرة قال مفكر عربي إنّ أي إنسان يحترم ذاته عليه أن يسمو بخطابه جدا ويجعله قادرا على استفزاز مكامن النقد في عقل المتلقيّ والتركيز على صناعة الأنداد بل الأعداء لا الأتباع”.
من يتأمل واقع الأمة لابد له أن يلحظ أنّ هناك جيلا تربى على أفكار من يسمون بـ “القادة” أو “الرموز” وفي المقدمة الوعاظ والمعلمون ونتيجة للممارسة الخاطئة لفئة منهم أفرزوا أتباعا لهم عصابيين مهووسين بفكر القائد إلى حد تقديسه، ويروى أنّ الثائر الكردي عبدالله أوجلان قال مرة لأتباعه “لقد صنعتم مني ثرثارا” في إشارة واضحة إلى تحول أتباعه إلى مجرد كائنات مستلبة فكريا. كما يذكر أنّ أرسطو بخلاف فلاسفة عصره كان محروما من الأتباع الذين يرفعونه إلى مرتبة الأنبياء والقديسين ذلك أنه لم يلجأ إلى أسلوب التلقين بل اتبع أسلوب المحاورة والمشاركة.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية