العدد 3872
الأربعاء 22 مايو 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
حين يُضرب الضارب والمضروب!
الأربعاء 22 مايو 2019

لا تكن طرفا في مشكلة أو عراك أو (هوشة)؛ عبارة كان يرددها والدي، وأجزمُ أن كثيرًا منكم وُجهت له، وفهم مغزاها، وأصبح يتناقلها، فحين كنا صغارًا، وبعد عراك مع أحد إخوتي أو جارة قريبة؛ كنت أتهافت إلى والدي للشكوى، ظنًا مني أنه سيقف في صفي، وسيقتص لي من غريمي أو خصمي في معركة طفولية! لكن ما يحصل العكس تمامًا؛ إذ يباغتني بالتذمر من فعلي، ويُوبّخني شر توبيخ، مُرددًا على مسامعي، في سؤال استنكاري: (ليش داخلة طرف في الموضوع؟ تستاهلين اللي يصيدك!).

كان عقلي الصغير غير مُستوعبٍ للحدث الانقلابي الذي صعقني، وكيف انقلب أقرب الناس ضدي، وكيف أنه لم يسعفني أو يرفع ظُلامتي إلى أهل خصومي؛ لأنال حقي الذي هُدر – من وجهة نظري آنذاك – مرتين متتاليتن؛ مرة بعد هزيمتي في المعركة، ومرة بسبب تخليه عني، ومهاجمته سلوكي! هذا طبعًا في الوقت الذي يتسارع بعض الآباء والأمهات – في مشهد مُشابه - إلى تقديم أغلظ الشكاوى، ورمي أقوى السباب والشتائم؛ ما إنْ يتراكض إليهم أحد أطفالهم بدمعةٍ جافة على الخد؛ يشتكي فيها تطاول أحدهم عليه! ودون أن يهمهم تقصي المسألة أو جوانب الموضوع؛ يُهرعون إلى نُصرة ولدهم ظالمًا أو مظلومًا!

هذا موقف كبير عليّ، ولم أعِهِ بالفعل إلا بعد مواقف متكررة؛ إذْ لم أعد ألجأ إلى والدي بعد أية معركة تحصل، أيًا تكن النتائج، وأيًا تكن الخسائر! وبالتدريج أصبحت أبتعد عن مواقف الصراعات، وأتجنب مواطن الشبهات، وأصبحت أُحمِّل نفسي مسؤولية خوض أية (قضية)، مراعية تبعاتها النفسية والمادية، ومُنتبهة متيقظة لعواقبها؛ كيف ستبدو، بدلا من الاعتماد على الصُدف أو الحظوظ! وبغض النظر عن موقف والدي القاسي – حينها – وهل هو صائب أو خاطئ؛ فقد علمني الاعتماد على النفس قبل أنْ أطرق أبواب الآخرين.

في حياتنا اليومية، وخارج نطاق الطفولة وبراءتها، أو مشاكسات المراهقة وحساسياتها. كم من موقف عجز عنه الكبير منا، لا لشيء، سوى حشر أنفه في قضايا أو مشكلات، ليست من اختصاصه، ولا تعنيه، أو لعله جعل من نفسه طرفًا أساسيًا فيها، وأساء البحث أو الدراسة، وغاب عنه بُعد النظر؛ بسبب حماسة زائفة أو انفعال ما؛ فكان خروجه منها أمرًا صعبًا وشائكًا، كمَنْ دسَّ رأسه في دوامة إعصار، وأغفل أن انتزاعه منها، دونه قطع الرقاب!

لا تكن طرفا في مشكلة! ليس أبعد من حكمة قِيلت، والعاقل مَنْ تصله الرسالة واضحة جليّة؛ فيعمل بها. أما الجاهل؛ فتغذيه الزوابع ويعتاش على توابعها، ويُدفن تحت أنقاضها!.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية