العدد 3883
الأحد 02 يونيو 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
حنين‭ ‬الضحية‭ ‬الى‭ ‬السكين‭ (‬16‭)‬
الأحد 02 يونيو 2019

ويقول لها: “يوما ما ساخون وسادتي؛ واستبدلها بك” وفي مفهوم الحب عنده: “الحب إن اكتفى بك ولا اكتفى منك أبدا” وكم تمنى لو يمتلك قلبا كبيرا: “ليت لي قلبا أكبر لأحبك كما يليق بالكبار”. نعم الحب هو من يقتل الكبار. يقول جبران: الحب سعادة ترتعش”، وهو الذي لم ينم يوما على صدر الحب. الكاتب الفرنسي بلزاك يقول: “إذا شكا لك شاب من قسوة امرأة ، فاعلم أن قلبه بين يديها”. وهذه حقيقة فبعض العشاق يستعذبون الألم، وينتشون طربا بتذكر خناجر الماضي. وهذا مرض سيكولوجي يسمى بالمازوشبة، والتلذذ بإيقاع الألم على الذات كحنين الضحية إلى السكين. لا يعجبني بلزاك في طريقة حياته، فقد دمر نفسه عندما اختصر جمال الحياة في كتابة الروايات، ونسي مفاتن مدينة باريس، وجمال طبيعة مدينة  “سانت خوبيه” أو لمعان شواطئ مدينة “كان” الساحلية أو رقصات نهر السين. لم يعش بلزاك سعيدا .انهكته القروض في مغامرات تجارية فاشلة، و لعبت به امرأة خبيثة لعوب  في آخر سنين عمره حيث لم تتزوجه إلا يوم تأكدت موعد اقتراب موته لكي تستولي على كل شي ،بما في ذلك بيته الفاخر الذي كان حصيلة كل تعب السنين العجاف من الكتابة. إن هوسه الجنوني بالكتابة أفقده التمتع بكوكتيل الحياة، ففقد صحته، ومات في عمر51 عاما قائلا”الحب امرأة ورجل وحرمان”.

أنا لست ضد الحب ولكن أنا مع الاعتدال، وأعترف أني أعاني من حكة جلدية من تعاطي الحب مع البشر؛ لان أكثر الذين يتحدثون عن الحب هم معادون له. صحيح الإمام علي (ع) يقول “رؤية الحبيب جلاء العين” أو كما يقول الشاعر “أقلب طرفي في السماء لعله يوافق طرفي طرفها حين تنظر”، لكن الحب في ظل قسوة الرأسمالية مخيف، وغالبا يتشكل خبثا بحجم مقاسات تضخم الحساب البنكي، ولمعانه يكون بمقدار لمعان  مقتنياتك إلا ما نذر. أتذكر أني قلت لعاشق ذا يوم “إذا حصلت على العشق، فملأ حقائبك منه على عجل، وأعلن حالة طوارئ مع قلبك، ومنع تجول لأي منغصات؛ لأن العشق لا يكون إلا في حالة واحدة ،حالة “الجيك أوت “مهما  طال بقاؤك في “السويتك الملكي” في فندق السعادة. فأنا عندما شعرت بالحب أمسكته بجلابيبه، ورحت أشحن حقائبي بأجمل اللحظات، وأجمل الذكريات، وأفضل الأماكن مسرعا على عجل كيهودية نمساوية هاربة من بطش هتلر تلملم أغراضها، لأني أعلم أن هذا الحب سينقلب ذات يوم إلى وحش، يبتلع كل لحظة جميلة عشتها، وتتحول مخدات الذكريات المملوءة بريش النعام إلى مخدات محشوة بزجاج وسكاكين ذبح الغرام”.

ليست فقط الدنيا دوارة. فالمناصب دوارة. الأموال دوارة  الشهرة دوارة وكذلك أعياد الحب دوارة .تقول مستغانمي: “الأعياد دوارة، عيد لك وعيد عليك، أن الذين يحتفلون اليوم بالحب. قد يأتي العيد القادم وقد افترقوا. والذين يبكون اليوم لوعة وحدتهم، قد يكونون أطفال الحب المدللين في الأعياد القادمة.علينا في الحالتين أن نستعد للاحتمال الآخر”.

لا شيء يدوم فلا تتشبث بجنون بأي شيء في الحياة. ألم يكن قيس غبيا أن يموت معذبا وليلى تتمتع بالحياة مع زوجها، أو يكون نيتشه في مصحة نفسية مجنونا وعشيقته سالومي الفلندية تتمتع بجمال الوجود سفرا وعملا وحفلات؟ كم أنت مجرم بحق نفسك عندما تقتل فرحك لأجل عاشقة استبدلتك أخماسا، وأسعارا... لا شيء يستحق الحزن في الحياة. لا تعمقوهم بقلوبكم، فيحرقوها “لو لم يكن الخيط مستقراً في عمق الشمعة لما استطاع إحراقها... ‏كذلك نحن لم يحرقنا إلاّ من تسلل إلى أعماقنا”.

العظماء لو عاشوا كوكتيل الحياة لاختصروا مسافات من الموت البطيء. قصيدة الشاعر الماركسي باولو نيرودا تحمل فلسفة التمتع بكل شي في الحياة فكأنه يطبق نظرية عالم النفس ماسلو في هرمه يقول الشاعر:

ﻳﻤﻮت ﺑﺒﻂءﻣَﻦ ﻻ ﻳﺴﺎﻓﺮ

ﻣَﻦ ﻻ ﻳﻘﺮأ

ﻣَﻦ ﻻ ﻳﺴﻤﻊ اﻟﻤﻮﺳﻴﻘﻰ

ﻣَﻦ ﻻ ﻳُﺠﻴﺪ اﻻﻫﺘﺪاء ﺑﻌﻴﻨﻴﻪ.  ﻳﻤﻮت ﺑﺒﻂء

ﻣَﻦ ﻳﺼﻴﺮ ﻋﺒﺪاً ﻟﻠﻌﺎدة

ﻣَﻦ ﻳﺴﺘﻌﻤﻞ ﻛﻞ ﻳﻮم ﻧﻔﺲ اﻟﻄﺮﻳﻖ

ﻣَﻦ ﻻ ﻳﻐﻴﺮ أﺑﺪاً ﺳَﻤﺘﻪ

ﻣَﻦ ﻻ ﻳﺠﺎزف ﺑﺘﻐﻴﻴﺮ ﻟﻮن ﻣﻼﺑﺴﻪ

أو ﻣَﻦ ﻻ ﻳﺘﺤﺪث إﻟﻰ ﻣﺠﻬﻮل. ﻳﻤﻮت ﺑﺒﻂء

ﻣَﻦ ﻻ ﻳﻐﻴﺮ وﺟﻬﺘﻪ ﺣﻴﻦ ﻳﺤﺲ اﻟﺘﻌﺎﺳﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﻤﻞ أو اﻟﺤﺐ ﻣَﻦ ﻻ ﻳﺮﻛﺐ اﻟﻤﺨﺎﻃﺮ ﻟﻴﺤﻘﻖ اﻷﺣﻼم””

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية