العدد 3890
الأحد 09 يونيو 2019
عمود أكاديمي د. باقر النجار
ما‭ ‬بعد‭ ‬الإسلاموية‭ ‬وجماعات‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬العربية
الأحد 09 يونيو 2019

على مدى عقدين أو ثلاثة عقود ماضية برزت في أوساط المعنيين بدراسة الحركات الإسلاموية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي اتجاه للبحث في التحولات التي يمكن أن تحدث في أوساط الجماعات الإسلاموية قبل وبعد وصولهم للسلطة.

ولقد ذهب الباحثان الفرنسيان أوليفييه كاريه وأوليفييه روا إلى أن إخفاقات جماعات الإسلام السياسي في تقديم حلول للمشكلات القائمة في المحيط الذي يعملون من خلاله قد دفعهما للقول إن الجماعات الإسلاموية حتى تتجاوز مقولاتها التقليدية فإنها بحاجة للبحث في سبل لفصل الديني عن السياسي في الخطاب والممارسة، وإن هذا الفصل ضرورة لانتقالها لأنماط جديدة من التفكير، والعمل السياسي يعتمد على منطقيات العلم ومفاهيم العصر القائمة على الديمقراطية والعدالة والتعددية وحقوق الإنسان والمواطنة، وهو المدخل الذي حاول عالم الاجتماع إيراني الأصل آصف بيات مقاربته في مؤلفه الموسوم “بما بعد الإسلاموية”.

وهي مقاربة قد أخفقت في جانب مساواة قدرة جل هذه الجماعات على إحداث التحول في جانب وفي الجانب الآخر سلطت الانتباه إلى بعض هذه التنظيمات لأسبابها الذاتية وأخرى متعلقة بالسياق الذي تعمل فيه هذه التنظيمات قد أحدثت بالفعل قدرا مهما من التحول في عملية فصل الديني عن السياسي، إلا أنه فصل لم يقارب بعد كثيرا حالة الأحزاب المسيحية الديمقراطية أو المسيحية الاشتراكية في أوربا وبعض دول أميركا اللاتينية.

وإذا ما كانت الإسلاموية تعني تعبئة الدين في المشروع السياسي الساعي إلى تأسيس الدولة الدينية كما هي قائمة في المشروع الإيراني ومشاريع الجماعات السلفية كما عند طالبان وفصائل دولة الخلافة في العراق وبلاد الشام ومناطق أخرى من العالم الإسلامي. وكما هي مطروحة في كل أدبيات جماعات الإسلام السياسي في المنطقة العربية والإسلامية.

إنها دولة تحكم بالشريعة وتفرض قوانينها العقائدية القائمة في جلها على تفسيرها أو تفسير مرجعياتها للدين. ويقدم نموذج “الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام (داعش) الحالة الأكثر تطرفا من حالات الدولة الإسلامية التي تتحكم في إدارتها ونسق حكمها مقولات ورؤى قيل جلها ولربما كلها قبل أكثر من 500 عام ولربما أكثر من ذلك بقليل أو كثير. أي أنها مقولات قد جاءت في جلها قبل الثورة الصناعية والثورة التكنولوجية والثورة الرقمية التي جاءت على العالم قبل أكثر من قرنين من الزمان.

بالمقابل فإن ما بعد الإسلاموية قد تعني محاولة لإعادة بناء أطر ومفاهيم جديدة في المجالات الفكرية والاجتماعية والسياسية ولربما الدينية متجاوزة في ذلك الحالة الإسلاموية الأولى. فهي بهذا ليست علمانية أو ليبرالية وإنما هي إطار يحاول أن يدمج جل المفاهيم الحديثة بقضايا الدين والإيمان. فقبول بعضهم مثلا بالدولة المدنية هو قبول مشروط بإيمانها. وهي دولة قد يخف فيها دور الدين إلا أنه لا يتلاشى، بمعنى أن هناك قدرا من الفصل بين الديني والسياسي إلا أنه ليس بالفصل القاطع. إنها وكما يقول بيات في الوقت الذي يكون فيه الدين مرتبطا بمؤسساته كما الحالة الإسلاموية، إلا أنها قد تمثل ببعض الأسس العلمانية أو الليبرالية كالتحرر من التزمت والقطيعة مع احتكار الحقيقة الدينية والحريات الدينية وحضور للدين في المجال العام وأهمية قضايا الحقوق والدولة المدنية، أي أنها محاولة لتأكيد الحقوق مقابل الواجبات والتعددية مقابل التسلطية والتاريخية مقابل النصوص الثابتة والمستقبل مقابل الماضي (انظر https:/‏/‏middle-east-online.com، وأصف بيات، ما بعد الاسلاموية، دار جدال، بيروت، 2016، وباقر النجار، الحركات الدبنبة في الخليج العربي، الطبعة الثانية، دار الساقي، بيروت، 2019).

إنها حالة قد دخلتها بعض الأحزاب الإسلاموية في تركيا وتحديا حزب العدالة والتنمية الحاكم وبدرجة أدنى بعض الأحزاب المغاربية كحزب العدالة والتنمية المغربي وحزب النهضة التونسي التي تبدو خطواته الأخيرة في محاولة إيقاع القطيعة مع الحالة الإسلاموية تصب في هذا الاتجاه، إلا أن خطوات أحزاب الإسلام السياسي المشارقية في هذا الاتجاه في مصر وبلاد الشام والخليج العربي تبقى محدودة إن لم تكن خجولة، إذ يبقى الدين متحكما في المقولات والرؤى والمواقف التي يطرحونها، بل ويتصدر قيادة بعضها رجال دين بكل ما يحمله الدين من رمزية قوية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. أعتقد أن قدرة التنظيم الأم في مصر (جماعة الإخوان المسلمين)، ولكونه التنظيم الإسلاموي الأكبر والأقوى في المنطقة العربية، على إحداث هذه التحول أو مقاربته سيدفع جل التنظيمات الأخرى في المنطقة العربية على إحداث ذلك، إلا أن أيا من ذلك لم يحدث كثيرا، بل إنا بتنا نلحظ تراجعا في مواقفه من مسألة فصل الديني عن السياسي لأسباب موضوعية يمر بها التنظيم أو لأسباب متعلقة بالسياق الفكري الذي يحكم التنظيم أو القائمين عليه..

هذه القضايا وغيرها ستكون محور النقاش والتساؤل في كتابنا الجديد - القديم “الحركات الدينية المعاصرة في الخليج العربي”، والذي سيصدر قريبا عن دار الساقي في بيروت.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية