العدد 3894
الخميس 13 يونيو 2019
ليست كل “الحمد لله”... “الحمد لله”
الخميس 13 يونيو 2019

كحال المحاضرين الممتلئين بالمعارف من كل حدب وصوب، ساق الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي كلامه عندما كان يحاضرنا في فن الرواية بجامعة البحرين في الثمانينات، وأخذ يشرح عن معاني الكلمات إذا تسطحت، وفقدانها المعاني التي قُدّت من أجلها العبارات والتراكيب اللفظية، ضارباً المثل بعبارة يومية نستخدمها من دون تعمّق في معانيها وهي “صباح الخير”، فنحن نستخدمها مفتتحاً لكلامنا مع الناس تأدّباً، لكننا لا نعني حقيقة رجائنا أن يكون الصباحُ صباحَ خيرٍ على من نتحدث إليهم. الأمر نفسه يصدق على الكثير من العبارات التي نلوكها ونستنزفها من دون تدقيق أو غوص في معانيها.

من هذه العبارات: “الحمد لله”، التي تأتي في الغالب إجابة لسؤال عن الأحوال، وغالبية من أرى – وربما أنا منهم شعرتُ بذلك أم لم أشعر – يجيب على السؤال عن الأحوال، سواء عن الصحة أو العمل أو الحياة بعمومها، بقول “الحمد لله” بصيغة منكسرة أٌقرب ما تكون إلى الاستياء منها إلى الحمد الحقيقي لله. بعضهم يضيف إليها “الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه”، بما يوحي باستياء مبطّن.

ولم أر طيلة عمري إلا صديقاً واحداً فقط يعيد الحياة لهذه العبارة الحامدة الشاكرة كما ينبغي، فما إن أسأله عن حاله وحال أسرته، حتى يفاجئني بقول “الحمد لله” من أقاصي قلبه ووجدانه، يوقظني لهذه العبارة ويلفتني إليها استشعاره بها، وكأنه يلامس بجوارحه تفاصيل كل حرف فيها، بل كأنه يعدد النعم الربانية التي تحيطه من كل جانب، والتي لو قيست بالمرارات التي تلمّ بالمرء لغطّتها وفاضت حتى تتضاءل أمامها جميع المنغّصات التي تروح وتجيء، بينما يستمتع الإنسان بما لا يحصى من النعم التي لشدّة ما عايشها ما عاد يلتفت إليها، بل يعتبرها من المسلّمات، بينما هذه النعم أيضاً من الممكن أن تزول كلياً أو جزئياً وحينها، ولعدم القدرة على التعايش إلا مع السلبيات، ستزداد النقمة من المنغّصات التي ستكبر في عين من لا يمكنه رؤية ما هو أبعد منها.

عدم التمعن في معاني العبارات اليومية، من مثل “الحمد لله” التي لا تقال إلا بصيغة العجز واليأس والقنوط، ينسحب أيضاً على المتلقي الذي ما عاد يسأل عما وراء هذه اللهجة اليائسة البائسة، وذلك لكثرة ما سمعها واستخدمها.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية