العدد 3898
الإثنين 17 يونيو 2019
الحضارة في العقول التي تبدع
الإثنين 17 يونيو 2019

مازال البعض يسمينا “دول العالم الثالث” أو “عالم نام”، وهذه النعوت والمترادفات وحدها بمثابة استعمار فكري كامل، إذ إنها وهي من ابتكار العالم المصنع قبلها تحشر أكثر من ثلثي الكرة الأرضية في مقولة واحدة، أو بالأحرى تصهرهم في بوتقة واحدة، وفي أحسن الحالات تضعهم تحت الوصاية، وبالفعل ليس هذا العالم هو الذي يخطط لتقدمه بل يخطط له، وعليه أن يتكيف تبعا للمخطط ويندمج في أطره، وهذا هو جوهر الاستعمار الحقيقي.

لا يوجد تخلف مطلق، ولو صح ووجد لحكم على الإنسان الذي يتسم به بالهلاك الأبدي. إن التخلف وضع طارئ وجدت نفسها فيه أمم عاشت في القرون الأخيرة معزولة عن التقدم الصناعي الاقتصادي، فلم تنتبه للحدث الجديد المهم الحاسم، وهو يختلف في مواصفاته وطرق معالجته من أمة لأخرى ومن شعب لآخر.

إن ما يختبئ وراء هذه النعوت الاستعمارية هو الصراع في كل أقطار العالم بين المترف والمحروم، أو قل إنه الصراع ولأول مرة في سبيل تحقيق العدالة على مستوى الإنسانية كلها، كما أن الحضارة الحديثة في ذاتها، لا في منجزاتها الصناعية، فهذه مجموعة سلع تباع في الأسواق، وإنما في نقطة انطلاقها التي هي الفكر النظري المجرد، والخطأ الكبير الذي يرتكبه سياسيو “العالم الثالث” ومفكروه هو اعتقادهم بأن اقتناء الآلة أو إنتاجها جزئيا هو السير في طريق الحضارة الحديثة، فالحضارة ليست في الآلة إنما في العقل الذي يبدع الآلة ولا يزال يغنيها من الفكر النظري.

إننا نعيش في عالم لا تزال سنته الصراع على البقاء، عالم لم يشف بعد من عقده وغرائزه المكبوتة ولم ينتصر بعد على رواسب التاريخ، لأن الآلة أعطت لمن يبدعها قوة هجومية لا حد لها، ولسوف يعاني الإنسان لزمن طويل على ما يبدو، الكثير من الآلام والنكبات قبل أن يشفى من مرض التلسط والانتقام، وحتى تنتصر النزعات الخيرة فيه على النزعات الشريرة.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية