العدد 3921
الأربعاء 10 يوليو 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
يظنونه... حبـًا!
الأربعاء 10 يوليو 2019

كنا ولا نزال نردد عبارة “أجيال الفاست فود”، على أبنائنا الذين تستهويهم الأكلات السريعة، ومطاعم “التيك آوي”، من الذين يستصرخون من الملل والسأم من المعتاد والمتكرر والروتيني، وتكون النتيجة الانصياع لهم! خصوصا أنهم أخذوا يستنكفون أو يرفضون تناول الطعام “البيتوتي”، وفي سلسلة مماثلة أو شبيهة انحسرت محال الخياطة، وأصبحت الأجيال تبحث عن الجاهز السريع، وقِس على ذلك الكثير من الأمور! في المحصلة هذه الأجيال لا نَفَسَ لديها، لا صبر، لا تحمل، لا انتظار، لا جَلد! تريد أن تقول للأشياء: كن؛ فتكون! وبذلك؛ تفقد – بحجة مواكبة الصرعات الجديدة في كل مجال – لذة الأشياء ومتعتها!

هذه الأجيال – في غالبيتها - لا حسًا ذوقيًا لديها؛ فإذا رأت الشيء الجميل؛ أعجبها، وربما اقتنته، لكنها لا تعرف سر جماله، ولا تتحسس أسبابه، تهمها النتائج، والنهايات! ولا تقف على المقدمات، والحيثيات، ولا ما بين الأشياء والأحداث، مستعجلة، تجري سريعًا مع دورة الزمن، دون استيعاب، بل لا يهمها أن تفهم أو تستوعب، متذمرة شاكية على الدوام، وهكذا؛ تفقد زهوة الحياة، ظانة أنها تعيش أوجَها، ويمر خيط العمر أمامها، حتى إذا حل وقت البلوغ والنضج، وجدناها سطحية لا تعرف كيف تُدير دفتها أو وجهتها؛ فتسقط في تجربة أو موقف، وتفشل في تسيير أمورها.

(قِفوهم إنهم مسؤولون)، وإن نَزلتْ في سياق مختلف، فإنني أستعيرها – هنا – لأقول للآباء منا: علموا أبناءكم من أين تكدون؟ وكيف تجهدون في لقمة عيش؟! كيف تمرون بمراحل لتنضج الأشياء، والأحداث، والأشخاص! فأبناؤكم يجهلون تماما “الكيفيات”، ويظنون أن لا قيمة لها، في ظل عطاياكم الممدودة كالسحاب الماطر! فكل ما يشتهون رهن تصرفهم، وتحت أقدامهم، والحجة: أنكم لا ترغبون أن يكابدوا معاناتكم السابقة، حين كنتم في مثل أعمارهم! هذا يجعل أحاسيسهم في خطر! بليدين، منهوبيّ الحواس!

لقد انسحب “الفاست فود” على كل شيء في حياتهم، حتى تعلّبت أرواحهم! فأصبحوا يمدون أياديهم لكم، وللمجتمع؛ ليحصلوا على خدمات جاهزة للتقديم؛ فإن لم يُستجب لهم؛ صبوا جام غضبهم، وانتفضوا على الحياة! وكأن الكل مسؤول عنهم إلا هم أنفسهم! فقد اعتادوا العيش السهل، والكسب والصرف السريعين! غير أنها قاعدة معروفة: فما لا تتعب في جنيه؛ ستتساهلُ كثيرا في رميه!

قوام التربية الإحساس، والإحساس لا يقدم نفسه مجانًا، إنه حصيلة مشاركة، وتدريب، وممارسة، حصيلة مُعالجة وطبخ على نار التجارب، حصيلة العمل الشاق، ولذة إنجازه، العمل الذي تشاركون أبناءكم إياه، لا الذي تجنبونهم إياه، وترمونهم بثماره سائغة سهلة، وكم - بذلك- تقتلون من إحساس.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية