العدد 3922
الخميس 11 يوليو 2019
البقاء للأشرس
الأربعاء 10 يوليو 2019

في المماحكات السياسية، يحاول البعض استمالة من يسميهم بـ “الأغلبية الصامتة”، أي القطاع الأعرض من الناس الذي لا يعبر صراحة عن رأيه، ولا يشارك بقوة في المنتديات، جماعة يغلب عليها الانسحاب إما خوفاً من الاصطدام، أو لأوضاع وظيفية أو اجتماعية أو اقتصادية، فلا تريد أن “تتغبّر” هذه الوضعيات فيما لو دخل الفرد من “الصامتين” إلى المعترك العام. أفراد “الأغلبية الصامتة” لم يكونوا ليمسكوا مايكروفوناً، لا ينبرون في مناظرة، وإذا حضر أحدهم فعالية تراه في آخر المحاضرة، أو قبيل انتهائها يتسلل محنيّ الظهر كي لا يلاحظه الحضور، وينسلُّ خارجاً، ربما يطلق تعليقاً مكتوماً في بضع كلمات إذا ما صادف من يعرف وهو في سبيله إلى ركوب سيارته، فلا أحد سمعه يخرج عن صمته، وتظل هذه الشريحة تكبر حتى تكاد، مع كثرة المحددات والمدوّنات السلوكية، تعمّ المجتمع بأسره. وما إن ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي في النصف الأول من العقد الماضي حتى ظنت هذه “الأغلبية الصامتة” أنها ستجد الفضاء الذي ستعبّر فيه عن آرائها بشيء من الحرية المسؤولة، لكنها ما كادت تفعل حتى لاحقتها المدونات بعد أن طوّرت نصوصها وكذلك فعل الناشطون و”الباشطون” بأسوأ ما كانوا يعملونه في الفضاء العام، إذ أخذ الكثير من هؤلاء يستعرض قواميسه من السباب والقذارات وخطابات تكاد تكون خطابات كراهية، أو هي كذلك فعلاً، حتى جعلت هذه الأغلبية الصامتة تعود إلى صمتها مجدداً، وتنكفئ على نفسها، وتحفظ نفسها وكرامتها من السحجات الإلكترونية، وإما أنها هجرت وسائل التواصل الاجتماعي، كما قالت دراسة أجريت على خطاب الكراهية في ألمانيا، أو هجرت النقاش على منصات التواصل لأنها ترنو إلى أساليب أكثر تحضّراً ولا تجدها.  ستعمل الأصوات الشرسة في منصات التواصل الاجتماعي على إعلاء دورها خصوصاً أنها ترى أن تطيح بخصومها الواحد بعد الآخر، وفي معظم الأحيان لا يمكن إثبات الكراهية في الخطاب، كما لا يمكن مقاضاة أحدهم لأن أسلوبه كان جافاً... وفي النهاية فهذه الأصوات المرشحة للبقاء على منصات التواصل الاجتماعي، والتي لا يجد المرء مكاناً فيها إلا إن كان ذئباً أطلسياً كثير الأذى!.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية