العدد 3930
الجمعة 19 يوليو 2019
إبداعات الظروف الصعبة
الخميس 18 يوليو 2019

تمر علينا ظروف وأحوال مختلفة في الحياة، وفي الآونة الأخيرة كثيرا ما نسمع عبارات من قبيل “الظروف لا تسمح لنا”، “الظروف لا تتيح لنا الفرصة”، “الظروف تقف عقبة في تحقيق التواصل مع الآخرين”، “الظروف لا تعطي أحدا ما يريد”؟ ودائمًا ما نعلق على الظروف ما يحدث من إخفاقات أو فشل في مواقف قد يتعرض لها الإنسان في حياته اليومية، وعندما لا ننجح في مشروع ما ننسب ذلك إلى “الظروف”، ولا نذكر هذه الظروف في كثير من أحداث الحياة الإيجابية المقترنة بالنجاح.

أتذكر أنني كنت في سفر بالخارج والتقيت أحد جيراني القدماء، كانت عائلته سعيدة جدا، وهو رجل أعمال مكافح وعصامي وزوج ناجح في حياته الاجتماعية، فسألته عن سر نجاحه فقال “إنها الظروف، كنت من عائلة فقيرة وبسيطة جدا، توفي والدي وأنا فتي يافع وكان عليَّ أن أعول إخوتي الصغار، وكانت الظروف هي التحدي الحقيقي لي، فكنت أعمل بالنهار وأدرس بالليل، وكنت أتذوق مر الحياة وحلوها وكفاحها وتحدياتها”، وفي هذا الموقف نجد أن الظروف أوجدت إنسانا آخر طموحا وناجحا.

ومما لا شك فيه أن الظروف من العوامل الخارجية، كفصول الطقس السنوية، فتارة عاصفة وتارة أخرى مزهرة تأتي بالغيث فتتحول الحياة إلى بساتين ورياض خضراء، وهنا يتبادر إلى ذهني تساؤلٌ: هل سخرنا الظروف أيا كانت لخدمتنا في حدود معطياتها على الأقل من حيث النظرة الإيجابية إلى ظروف الحياة؟ فالنظرة الإيجابية إلى ما حولنا كفيلة بالتغلب على المصاعب وتوليد الإحساس الإنساني المسؤول بالحياة، بدلا من تبني موقف اللوم أو اللامبالاة! هل فكرنا يوما أن نشكر تلك الظروف على إتاحة الفرصة لعمل موقف إنساني أو لمعرفة إنسان ذي مكانة اجتماعية ممن نقابلهم في حياتنا اليومية!

ولو تأملنا تلك الظروف من مآسٍ أو أحداث وانشغلنا بتأثير صعوباتها وما تسببه لنا من عجز متوهم عن مجابهتها وحاولنا إيجاد عذر لنا يوفر عنا مجهود مواجهتها وإيجاد الحلول الناجعة لها وتصحيح مسارها لتكون دافعا ومحفزا على الإصرار على تخطيها فقد نقف عاجزين عن تحقيق ما نريد من مواقف وأحداث تظل عالقة في أذهاننا لا يمكن أن ننساها؛ فالشعور بالعجز يقود إلى التراخي عن مواجهة ما يحيط بنا، وليست الظروف الصعبة إلا نافذة سنكتشف بعد ذلك أنها فتحت لنا طريقا نحو مجهول كنا نخشاه ونتوهم صعوبته، وإذ بنا نكتشف أنه لولاها لما تفجرت فينا طاقات الإبداع والتألق. ولننظر إلى كل الملهمين والمخترعين والعباقرة الذين أضاءوا حياة البشر بأفكارهم فسنجد حياتهم جميعا مثالا للقسوة والحرمان، فإذا بهم يحولون مآسيهم إلى إبداعات واختراعات واكتشافات غيرت مسار ملايين البؤساء الذين عانوا منها، فأضاءت لغيرهم طريقا ومهدت لهم عبوره. فهل فكرنا أن نشكر الظروف!.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية