العدد 3939
الأحد 28 يوليو 2019
عندما لعب حُسن النوايا دوره!
الأحد 28 يوليو 2019

“في السياسة، كما فى كل شيء آخر، لا أحد مستعد لدفع ثمن لشيء حصل عليه بالفعل”؛ هذه هي خلاصة حديثنا لهذا اليوم، وهذا ما قاله السياسي المخضرم وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق هنري كيسنجر في مذكراته عندما أعلن الرئيس أنور السادات فجأة في الثامن من هذا الشهر في العام 1972 إنهاء مهمة الخبراء والمستشارين السوفييت وطلب منهم مغادرة مصر خلال 48 ساعة، وقد قُدر عددهم في ذلك الوقت بنحو 20 ألف فرد بما في ذلك العسكريين والمدربين.

وما كتبه هنري كيسنجر في سياقه الكامل جاء كالتالي: “لماذا لم يقل لنا السادات ما كان ينوي فعله؟ ربما لو أبلغنا مسبقا لكنا قدمنا له شيئا فى المقابل! في السياسة كما في كل شيء أخر، لا أحد مستعد لدفع ثمن لشيء حصل عليه بالفعل”.

وقد كان الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله بما عرف عنه من حصافة وبصيرة وبعد نظر، من بين أول من استشعروا وأدركوا حتمية انهيار الاتحاد السوفييتي والعقيدة الشيوعية، وكان قلقًا على مستقبل الدول العربية التي ربطت مصالحها ومصائرها بالاتحاد السوفييتي. والرئيس الراحل أنور السادات رحمه الله كان أيضًا من المقتنعين والمتبنين لهذا المنظور، وهنا تلاقت رؤية كل من الزعيمين العربيين بشأن العلاقات العربية السوفييتية والوجود السوفييتي في المنطقة في ذلك الوقت.

ومن موقعه في قمة القيادة في مصر، ثم من مركزه كنائب للرئيس، فقد شارك أنور السادات عن قرب في صولات وجولات المباحثات المضنية التي خاضها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر مع القيادة السوفييتية، وكان أهمها الزيارة التي قام بها إلى موسكو من 22 إلى 25 يناير 1970 والتي شرح فيها خطورة الموقف الذي تواجهه مصر في حرب الاستنزاف إزاء التفوق العسكري لإسرائيل؛ نتيجة للأسلحة الحديثة المتطورة التي تصلها باستمرار وانتظام من الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية، وطالب عبدالناصر السوفييت، بعد تلك الزيارة، بتزويد الجيش المصري بنظام متكامل ومتطور للدفاع الجوي، يتضمن وحدات كاملة من صواريخ سام 3، وأسراب كاملة من طائرات الميج 21 المعدلة بطيارين سوفييت، وأجهزة رادار متطورة للإنذار والتتبع بأطقم سوفييتية حتى يمكن مواجهة التفوق الجوي النوعي والكمي لإسرائيل، كما كرر المطالبة بطائرات قاذفة متطورة لردع إسرائيل؛ حيث إن مدى الطائرات القاذفة الروسية الموجودة لدى القوات الجوية المصرية لا يمكنها الوصول إلى عمق إسرائيل مثل طائرات الفانتوم التي زودت الولايات المتحدة بها إسرائيل، وقد اضطر عبدالناصر إلى تصعيد وتيرة المباحثات لدرجة أنه هدد أمام القادة السوفييت بترك الحكم لزميل آخر يمكنه التفاهم مع الولايات المتحدة.

وتقاسم السادات مع الرئيس عبدالناصر ألم ومرارة تسويف ومماطلات السوفييت وتباطؤهم في تزويد الجيش المصري بالأسلحة والمعدات الحديثة التي يحتاجها استعدادًا لتحرير سيناء وإعادة الاعتبار والثقة للجيش المصري التي ضاعت منه نتيجة نكسة أو هزيمة حرب 67.

وبعد تسلمه السلطة إثر الوفاة المفاجئة للرئيس جمال عبدالناصر في العام 1970 واصل الرئيس السادات محاولاته مع السوفييت، وقد كان مثقلًا ومشحونًا بأحاسيس التذمر والتشنج والاستياء جراء استمرارهم في المماطلة والتسويف والإخفاق في الإيفاء بالوعود والالتزامات، وكان في الوقت نفسه قد وصل إلى قناعة راسخة بتفوق كفاءة الأنظمة والأسلحة الأميركية بشكل خاص والغربية عمومًا مقارنة بمثيلاتها من الاتحاد السوفييتي، وقد ازدادت هذه القناعة ترسخًا لديه بعد أن تمكنت الطائرات الإسرائيلية من طراز فانتوم وميراج في اشتباك جوي واحد من إسقاط خمس طائرات مصرية من طراز ميغ 21 كان يقودها طيارون سوفييت في مثل هذا الشهر من العام 1970، كما كان السادات مقتنعًا أيضًا بأن الوجود العسكري السوفييتي في مصر صار يشكل عبئًا يعوق ويشل الإرادة المصرية، وأحس كذلك بوجود تململ ونفور واضح من الوجود العسكري السوفييتي داخل الجيش المصري.

ولم يكن السادات وحيدًا في هذا التقييم وعلى هذه القناعات، فقد كان عدد ليس قليل من أطقم القيادة السياسية العليا وكبار ضباط الجيش يشاركونه الأحاسيس نفسها، من بينهم المشير محمد عبدالحليم أبوغزالة، الذي أصبح وزيرًا للدفاع والذي قال عنه ألكسندر بيلونوجوف أول سفير للاتحاد السوفييتي في مصر بعد استئناف العلاقة بين البلدين في العام 1984 فى كتابه “سفير فى بلاد الأهرامات” حيث كتب قائلًا: “التقيت الكثيرين، لكننى لم ألتقِ المشير أبوغزالة وزير الدفاع، على الرغم من أنه كان فى البداية فى صدارة قائمة الشخصيات التى كنت أريد لقاءها ولاسيما بحكم منصبه؛ لمناقشة قضايا استئناف التعاون العسكرى بين البلدين، لكنه لم يكن يتعجل استقبالى... وكان أبوغزالة، وعلى الرغم من أنه تلقى تدريباته العسكرية فى الاتحاد السوفييتى، لا يكنّ مشاعر المودة تجاه بلادنا. بل على العكس، فبعد أن قضى بضعة أعوام فى الولايات المتحدة فى منصب الملحق الحربي، تحول تماما بتوجهاته وميوله صوب الولايات المتحدة، عموما لقد تولد لديَّ هذا الانطباع استنادا إلى شهادات من تعاملت معهم من أعضاء السلك الدبلوماسي الأجنبي، وكذلك من المصريين. وكان أبوغزالة من موقعه نائبًا لرئيس الحكومة ووزيرا للدفاع يمتلك تأثيرا كبيرا ليس فقط على الحد من تطوير التعاون مع الاتحاد السوفييتى، بل أيضًا فى قضايا أخرى. ولم يكن وحده فى هذا الشأن”.

وعند المنعطف المناسب تحرك الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمة الله بدافع الغيرة والحرص على مصر وشعبها ووقف إلى جانب الرئيس السادات وسانده، وكلف الأمير بندر بن سلطان والسيد كمال أدهم مستشاره الخاص بدعم الرئيس السادات عندما يقرر التخلص من أعباء الوجود السوفييتي، والتعاون والتنسيق معه لفتح قنوات الاتصال بينه وبين البيت الأبيض، ونُصحه بضرورة التباحث المسبق مع الولايات المتحدة قبل اتخاذ القرار في إطار المقايضة والمساومة المشروعة في مثل هذه الأوضاع؛ وذلك بهدف ضمان حصول مصر على ثمن مجزٍ مقابل تقديم مكسب سياسي ونصر استراتيجي للولايات المتحدة على طبق من ذهب بطرد السوفييت من مصر، وكذلك ضمان الحصول على البديل وعلى الدعم السياسي الأميركي له في خططه وجهوده الرامية إلى التوصل إلى حل سلمي مع إسرائيل واستعادة أراضي مصر المحتلة.

وسيظل التاريخ تائهًا وحائرًا حيال تصرف الرئيس السادات وعدم أخذه بهذه النصيحة البديهية عندما أدهش المصريين والرأى العام العربي والعالمى على حد سواء وطلب من الخبراء السوفييت مغادرة مصر بأسلوب استعراضي مهين، وقد علق الزعيم السوفييتى ليونيد بريجنيف بمرارة على قرار السادات قائلًا: “لقد حقق السادات للأميركيين أشد أحلامهم جموحا دون ثمن”. وبالإضافة إلى ما ذُكر في صدر هذا المقال فقد وصف هنري كيسنجر مرة أخرى خطوة السادات المفاجئة بأنها كانت “خطأً فادحًا”، مضيفًا: “لو أنه قد حاول وضع ثمن لمبادرته تلك قبل أن يشرع في تنفيذها، لكُنا دفعنا فيها ثمنًا غاليًا جدًّا”.

التفسير الممكن لهذا التصرف هو أن السادات، بعمق إيمانه الديني وتمسكه بقيم وأخلاق القرية المصرية تصرف من منطلق حسن النوايا رغم أن حسن النوايا عملة لا قيمة لها في أسواق السياسة، وعلى كل حال فإن الأمور والتصرفات يحكم عليها بنتائجها، فبعد أن أبعد السادات السوفييت عن أرض مصر ورفع أيديهم عن القرار المصري تمكن من تحقيق نصر ضد إسرائيل في حرب أكتوبر 1973 وقاد مفاوضات شاقة معها توجت في النهاية باستعادة مصر لكامل أراضيها التي كانت إسرائيل قد احتلتها في حرب 1967، دون حرب أو إسالة دماء أو إزهاق لأرواح مصرية أو تكبد مزيد من الخسائر المادية وذلك بعد أن ضغطت أميركا على إسرائيل لتوافق على الانسحاب من سيناء.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية