العدد 3949
الأربعاء 07 أغسطس 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
الصناديق المقفلة (26)
الأربعاء 07 أغسطس 2019

مشكلة عظماء المجد مع الاكتئاب أنهم إن فتنوا بشيء اختصروا الحياة فيه حتى يبتلعهم، وأنهم يجعلونه محور حياتهم إلى حد الهوس والجنون والتعلق المرضي أكان منصبا أو مالا أو حبا أو شهرة أو شعرا أو ثقافة، غافلين أن الحياة مليئة بالمتع المتنوعة.

نيتشه كان مهووسا بالفلسفة، ولم يخرج منها، وعندما تعلق قلبه بالفتاة الفاتنة (سلومي) أسرته، فأصيب بالجنون. نيتشه كان عملاقا في الفلسفة، وطفلا صغيرا في تقنيات التعامل مع فخاخ العشق. قد تجد عملاقا في السياسة، لكنه رضيع في الذكاء العاطفي.

لو أن نيتشه انفتح على البحر، وعلى السفر وعلى الرياضة والثقافة المتنوعة من علوم إنسانية لما أصابه ما أصابه. تجد عظيما مثلا، لا يجد نفسه إلا في السياسة أو تعملق المنصب، وهذا نوع من أنواع الموت البطيء. يقول الكندي “كل علم أنجب فطاحله، إلا علم السياسة أنجب وحوشا”.

كي تستمر في السياسة أنت مدعو للجلوس على وليمة مليئة بالسباع والضباع والأفاعي، وكل أنواع الوحوش البشرية، وعليك أن تفرح، ثم تسأل نفسك: لماذا أنا مكتئب؟ أنت في قعر الاكتئاب، وأنت لا تعلم. طر إلى الفضاء، وعش حرا مع جمال الحياة. الشاعر العظيم محمود درويش نجح في الشعر، وأصبح سيد الحرف الفلسطيني، إلا أن تفكيره الخاطئ - كما أعتقد - للحياة جعله مهووسا بالشعر، ونسي بقية ملذات الحياة، علما أنه هو القائل: (على هذه الأرض ما يستحق الحياة). الحياة ليست منصة لإلقاء الشعر وجماهير تصفق، ومواجهة مع عدو، وتنقل في غربة من بلد إلى بلد. دخلت إلى عقل محمود درويش فكرة أن نظام الزواج وتكوين أسرة نظام فاشل يشغله عن (هم القضية والتفرغ للشعر). تزوج بنت أخ نزار قباني، رنا صباح قباني، ففشل الزواج، وتزوج مرة أخرى من امراة مصرية، وفشل الزواج، فتركه كليا، وهو القائل: (ولن أتزوج مرة ثالثة، ولن أتزوج، إننى مدمن على الوحدة، لم أشأ أبدا أن يكون لي أولاد، وقد أكون خائفًا من المسئولية.. أحن إلى خبز أمي”. وفشل في حب يهودية اسمها (ريتا) وفرقتهم البندقية وهو القائل: “أنا العاشق السيئ الحظ.. لا أستطيع الذهاب إليكِ.. ولا أستطيع الرجوع إليَّ”. وكان في فترة زواجه مصرا على رفض أن يولد له ابن بحجة أنه “لا يريد زيادة عدد اللاجئين  بلاجئ آخر”.

هذا نوع من أنواع الفنتازيا الرومانسية التي تصيب الكبار. لوثة الثورية غير المنضبطة خطيرة كذلك اللوثة الدينية أو لوثة المنصب، وكذلك لوثة الهوس بالحياة دون توازن روحي أو أخروي. كثير من العظماء (يعملون في أنفسهم مقلبا) في تمثيل أدوار غير واقعية ورومانسية تقودهم في النهاية إلى عدم الاستمتاع بالحياة. هناك من اختصر حياته في تصفيق جماهير، ويعيش على هذا الأمر، ولو قاده للتعاسة. وهناك من اختصر حياته في الشهرة والهوس بالسوشل ميديا إلى درجة الاستهلاك، فإذا خف بريقه أو قل عدد المتابعين أصيب باكتئاب. وهناك من يجد نفسه بوجود عظم المنصب، فإن ذهب المنصب ذهبت الحياة. وهناك من اختصر نفسه في عشق قلب امراة، فاذا تركته تزوج العزلة والاكتئاب. كل هؤلاء لا يعرفون جمالية نظرية كوكتيل الحياة.

لا تختصروا أنفسكم في شيء. نوعوا السفر. تفننوا في اقتناص الجمال من تنوع ثقافي وحضاري ورياضي. نوعوا في الأناقة والفن والموسيقى ومناطق السياحة. حتى الدين اعتبروه صديقا مخلصا، وكما يقول الرسول ص: (إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق). سبب اكتئاب الكاتب الفرنسي بلزاك هوسه بكتابة الروايات إلى حد الجنون.

سبب اكتئاب بونابرت هوسه بالمنصب، وامتداد الأمبراطورية بشكل هيستري إلى أن ضيع كل شيء. سبب اكتئاب الروائي الأمريكي همنجواي هو الاستسلام لنظرية أن عائلته تحمل جينات انتحارية وسماحه لنفسه لصناعة ذكريات مؤلمة في الحروب، وقبوله ليكون مراسلا للحرب الأهلية في إسبانيا. جزء من حزن مظفر النواب هو دخوله المذهب الشيوعي القائم على المواجهة والمنافي والسجون ونسيان بقية الحياة. جزء من معاناة الشاعر أحمد مطر ووحدته وغربته أنه لا يرى في الحياة إلا ثقافة الغضب، وإن الحياة أسود أو أبيض بلا منطقة رمادية حتى توغل شاعرنا الجميل في الهجاء، وهاجم نزار قباني متهما إياه بالنفاق السياسي.

هل من المنطق أن ينتحر شاعر كبير كخليل حاوي؛ لأن إسرائيل اجتاحت بيروت في بداية الثمانينات عندما أطلق الرصاص على نفسه؟ الحياة عظيمة يجب فقط نخرج من الصندوق، وكل منا للأسف يمشي ويجر خلفة عشرات الصناديق المقفلة. لا تدعوا أي شيء في الوجود يقلل من قيمة الاستماع المنطقي لكم في الحياة. نظفوا قلوبكم وعقولكم من أفكار عدمية أو طقوس ليس لها وجود أو عادات غير سليمة. يسألني بعض القراء عن طقوسي في الحياة! فأجبته: أن أسعى دائما للتنوع الثقافي، فأقرأ في كل شيء ولساعات يوميا. أرفض التعلق بشيء؛ لأني أعرف أنه سم قاتل. حتى في السفر لا أترك الرياضة والجم، وأنا أحمل صفات النورس في علاقته بالسماء أكثر من الأرض. من هواياتي السفر وعلاقتي بحقائب السفر أكثر من البشر وهمي الترحال واكتشاف مواقع الجمال في العالم، ودائما أبحث عن المدينة التي تسكنني لا المدينة التي أسكنها لذلك أحب تنويع المدن، ويعجبني التنوع لتبقى البحرين هي محطة الوقود الجمالي.

ست مهووسا بالسياسة، ولا بالاقتصاد، ولا بالأيديولوجيات، ولا الأحزاب. أعتز بإسلامي، وقدوتي الامام علي (ع)، وقارئ نهم للعلوم الإنسانية، ولحياة العظماء والفلاسفة، وأحاول أن أكون وسطيا غير مهووس بشيء، ورغم ذلك لي نقاط ضعف، وأخطاء أحاول التغلب عليها بقراءة نقدية؛ لأني أؤمن أن الاعتراف بالخطأ يقودني لسعادة داخلية. ارحلوا عن كل شيء يوذيكم، وتمسكوا بحريتكم بأظافركم. يقول نزار قباني (أحيانًا نرحل ليس حبًا بالرحيل، لكن لا فائدة من البقاء).

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية