العدد 3959
السبت 17 أغسطس 2019
العثمانيون في بلاد العرب
السبت 17 أغسطس 2019

أنا من متابعي مقالات الأخ العزيز عبدالنبي الشعلة القيمة، ومنها مقاله بعنوان “العرب في الأندلس والعثمانيون في بلاد العرب” المنشور يوم الأحد الموافق 11 أغسطس 2019م في عموده “وقفة”، ولكن ما لفت نظري في المقال بأن قارن الكاتب بين ما تركه العرب المسلمون في الأندلس، وما خلفه العثمانيون من وجهة نظر شخصية، حيث ذكر سلبياتهم فقط ومن دون ذكر إيجابياتهم الموثقة بأنهم لم يستخدموا قوميتهم خلال أغلب فترات حكمهم التي امتدت إلى ستمئة عام، منها خمسمئة عام كانت المناطق العربية من ضمنها، وامتدت إمبراطوريتهم أو دولتهم إلى ثلاث قارات، وقد عاش مواطنوهم خلال أغلب الأوقات في وئام ومحبة رغم اختلاف الأعراق والأجناس والملل والديانات والمذاهب.

رغم اتفاقي على ما ذكره الكاتب عن وجود سلبيات كثيرة للعثمانيين، ولكن كان من الأفضل ذكر الإيجابيات التي فاقت السلبيات، فلا يجوز اختزال التاريخ العثماني بمقال واحد يمثل وجهة نظر واحدة وإهمال وجهات النظر الأخرى التي تخالفها، وللقراء الكرام مطلق الحرية في قبولها أو رفضها؛ لأن تعقيبي ليس محاولة لتحسين صورة الدولة العثمانية السابقة أو الحكومة الحالية، وهي باختصار:

لم يحتل العثمانيون المناطق العربية، والتي كانت أغلبها في تلك الفترة تحت الحكم المملوكي المستمد من شرعية اسميه من الخلافة العباسية، فقد كانت العلاقة جيدة بين المماليك والعثمانيين الذين شاركوا المماليك في التصدي للسفن البرتغالية، حيث كان هم العثمانيون في ذلك الوقت التصدي للحملات الصليبية التي تأتي من أوروبا ولم تكن لهم توجهات توسعية نحو المناطق المجاورة والعربية، ولكن التوسع الصفوي نحو الدولة العثمانية واحتلال العراق والمراسلات التي تمت بين الصفويين والمماليك وأحداث أخرى خطيرة أدت إلى وقوع معركة مرج دابق في 8 أغسطس 1516م ومقتل السلطان المملوكي قانصوه الغوري ووقوع المتوكل بالله الثالث أسيرا بأيدي العثمانيين في حلب، وهو ابن الخليفة العباسي المستمسك بالله الموجود في القاهرة وتنصيب السلطان الأشرف طومان باي، وهو ابن أخ قانصوة الغوري، فأرسل السلطان سليم الأول رسالة طلب منه الاعتراف بسلطته وذكر اسمه بالخطبة والبقاء على مصر واليا عليها من قبله وإرسال الخراج السنوي لمصر، وقد أبدى طومان قبولا للعرض خاصة مع ضياع معظم الجيش في معركة مرج دابق، ولكن أتباعه من الجراكسة غضبوا وقتلوا الرسل مجبرين إياه على محاربة العثمانيين بمعركة الريدانية في 22 يناير 1517، والذي أدى إلى حدوث مشاهد وقصص مروعة ووقوع ضحايا من الطرفين ورغم هزيمة طومان، فقد حاول سليم استمالته، ولكنه لم يوفق وقد أدت وشايات المماليك أنفسهم إلى موافقة سليم على شنق وصلب طومان على باب زويله، ولكنه أقام جنازة مهيبة لطومان وبعدها أصبحت مصر ولاية تابعة للعثمانيين، وأصبحت اسطنبول أهم مدينة في تلك الفترة بعد نقل الخليفة العباسي إلى اسطنبول وتنازله عن الخلافة إلى سليم، ونقل الآثار النبوية، وهي “البيرق والسيف والبردة” ومفاتيح الحرمين الشريفين إلى اسطنبول؛ باعتبارها عاصمة الدولة العثمانية.

بلغت الضحايا حسب المصادر عشرة آلاف من المصريين، و25 ألفا من المماليك والعثمانيين، ولابد من وقوع ضحايا وقتلى في جميع الحروب وفي مختلف المناطق سواء أن كان في السابق أو في الحاضر، وخير مثال ما حدث في الحروب المؤسفة التي عاصرناها بين إيران والعراق وغزو وتحرير الكويت وما يحدث الأن من إسقاط أنظمة وإبراز أنظمة أخرى وقتل السكان المدنيين من جميع الأطراف بحسب الدين أو المذهب أو العرق.

هناك فترات قوة وصعود وضعف ونزول لكل الدول، ومن ضمنها الدولة العثمانية، فعندما تكون الدول قوية، فلا يكون هناك مجال للخوف من الأقليات، ولكن عندما تكون الدول ضعيفة ويطلق عليها “الرجل المريض”، فهناك مجال قوي للخوف من الأقليات، وقد يؤدى إلى مذابح مثل مذابح الأرمن المؤسفة، ولكن لابد من الإلمام ببعض أمورها، فقد سبقها أحداث ومشاكل من الأرمن ضد المسلمين وهناك حقيقة تاريخية موثقة بأن في أغلب الأوقات التي كان الأرمن تحت السيادة العثمانية كانوا خير عون للعثمانيين.

تم مع الأسف تجاهل ما حل بالمسلمين من مختلف الأعراق في أرمينيا والبلغار والصرب والقوقاز.

تخوف رجال الدين في الدولة العثمانية من أتراك وتركمان وعرب من استخدام المطابع، ولكن سرعان ما تم السماح باستخدام المطابع الحكومية والخاصة لطبع الكتب والنشرات وإصدار الصحف الخاصة للمسلمين والمسيحيين واليهود والأقليات الأخرى.

عندما كانت الدولة العثمانية في قوتها كان البحر الأسود بحيرة عثمانية واستطاع الأسطول العثماني بقيادة المجاهد عروج بارباروسا والذي أطلق عليه الغرب القرصان ذو اللحية الحمراء مع أخيه خير الدين السيطرة على أغلب مناطق البحر الأبيض المتوسط ليكون شبه بحر عثماني واستطاعا إنقاذ عدد كبير من اللاجئين الأندلسيين الذين فروا من محاكم التفتيش الإسبانية، وقد لعب الأسطول العثماني أدوارا مهمة للتصدي للأساطيل الأجنبية وتأخير استعمار الدول الأجنبية إلى مناطق كثيرة في القارات الثلاث التي حكمتها، وهناك وثائق تثبت أن الدولة العثمانية رغم العداء القائم بينها وبين الدولة الصفوية خاصة خلال حكم إسماعيل الصفوي والشاه عباس، إلا أنها في أغلب الأوقات كانت تتوسط بين الدولة الصفوية وروسيا القيصرية وكذلك بعد قرون بين الدولة القاجارية وروسيا القيصرية.

اهتم السلطان عبدالحميد بإنشاء سكة حديد إلى المدينة المنورة وإلى بغداد وتصادق مع الدولة القاجارية وساهم الشاه القاجارى في تكاليف سكة الحديد وإنشاء عبدالحميد مدرسة العشائر.

أرسل السلطان عبدالحميد الثاني رسالة إلى هرتزل بواسطة صديقه نيولنسكي جاء فيها: انصح صديقك هرتزل ألا يتخذ خطوات جديدة حول هذا الموضوع؛ لأني لا أستطيع أن أتنازل عن شبر واحد من الأراضي المقدسة؛ لأنها ليست ملكي، بل هي ملك شعبي وقد قاتل أسلافي من أجل هذه الأرض، ورووها بدمائهم فليحتفظ اليهود بملايينهم. إذا مزقت دولتي، من الممكن الحصول على فلسطين بدون مقابل، ولكن لزم أن يبدأ التمزيق أولاً في جثتنا، ولكن لا أوافق على تشريح جثتي وأنا على قيد الحياة.

تم التعميم على أن العثمانيين لم يبنوا المدارس، ولكن الواقع يشير إلى وجود مدارس وكليات منذ القرن الثامن عشر، وإنها حق لكل عثماني ومن دون النظر إلى أصله ودينه.

كان هناك علماء عرب وعثمانيون ولهم إسهامات ووزراء وقضاة وضباط وجنود عرب في الجيش العثماني مثل عزيز باشا ونوري السعيد وجعفر باشا العسكري، وكما أن مدبر الانقلاب على السلطان عبدالحميد كان قائد الجيش العثماني الفريق الركن مدحت باشا، وهو من أصول عراقية.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية