العدد 3963
الأربعاء 21 أغسطس 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
“الفيلوفوبيا” والدراما في الشخصية العربية (29)
الأربعاء 21 أغسطس 2019

نحن عاطفيون بحكم البيئة والثقافة. بين عنترة السياسي، وشبق أبو زيد الهلالي، وبلعم بن باعورا الديني. نعشق الدراما وتهويل الوقائع وصناعة “الآكشن” في كل علاقاتنا، لذلك علاقاتنا تعاني من أنيميا فرح. نعشق نثر الملح على الجروح، وتنغيص الفرح ببهارات حارة من البكائيات. الشخصية الدرامية شخصية عاطفية مندفعة، ومتوترة وتحب المغامرات دون النظر للعواقب. دراميون في السياسة على شاكلة سلسلة أفلام (Fast and Furious)، نقفز بالعلاقات العاطفية نحو المجهول، ولو من أبراج وناطحات سحاب. نغامر بمصائر الناس سياسيا ثم نرميها على الحظ العاثر والقدر على طريقة حروب المماليك في القرون الوسطى بأوروبا. نتكاثر كالأرانب دون النظر للواقع الاقتصادي، ثم نردد الرزق على الله. زواجنا كرمية نرد على طاولة كئيبة بين عجوزين في مقهى قديم قد يصيب وقد يخيب. وإذا دخلنا في علاقة حب ولو مع قطة نلغي كل العالم لنجعل من “جولييت” الشرقية هذه تاج محل. نبالغ في الحب، ونفجر في الخصومة. نستدعي الأعراض لتكديس الشتيمة. الدراما سمة بارزة في العالم العربي في العلاقات الغرامية. في علاقة السياسين مع الجمهور والجمهور مع السياسيين. التشدد هو سيد الموقف. حتى علاقاتنا مع تراثنا الديني علاقة مشوبة بالدراما والمبالغات ووضع البهارات الحارة وزيادة الخرافات. وجزء من الدراما أننا نظل نستمر في العشق المرضي السياسي مع الزعيم ولو كان يقودنا للموت، وبيع الأوهام وتوزيع شهادات الوفاة كما يحدث لمقتدى الصدر أو جمال عبدالناصر أو مسلم البراك والقائمة تطول. ومستعدون لتكرار التجارب، فكما نرث أمراضنا الوراثية نرث أمراضنا السياسية جيلا بعد جيل دون الدخول لمستشفى العقل النقدي، فكأنما تركة التضحيات تركة جميلة، ومحل إغراء، وحسد من العالم لنا “كم نحن محظوظون بتوريث ثقافة الضحايا ودفع الفواتير السياسية”. علاقاتنا الغرامية تقوم على الدراما على طريقة ألف ليلة وليلة والأفلام الرومانسية التي ازداد بها أصحابها غنى، وازددنا بها اكتئابا. والغريب أننا مستعدون لمواصلة هذه الدراما وآلامها وأوجاعها رغم حجم الوجع المتزايد في كل عالمنا العربي. اتركوا ثقافة الدراما والحزن في العلاقات، فالحزن قاتل. وأنا أشاهد مسلسل (The Spanish Princess) وردت عبارة على لسان ملك إنجلترا، وكان مكتئبا لفراق حبيبته وزوجته قائلا “الحزن محيط يغرق كل شيء: المرح، الشهية، الضحك، وحتى الإيمان. يكون فيه المرء في عمق المحيط... يبحث عن شيء يتمسك به ليخرجه من هذا المحيط”. يحذر علماء النفس “من الاستمرار في العلاقات المليئة بالألم والاستفزاز وسوء الظن، فصبرك عليها سيفتك بصحتك نفسيا وعصبيا، وسيقتلك تدريجيا”. نتعامل بعاطفة عقائدية مع العالم يغلب عليها الدراما. فالعالم يقوم على نظام المصالح، وما يحرك الحروب والتحالفات هو المال والمصالح القومية، في حين نحن نتعامل مع أي سيناريو عالمي أو أي أزمات عالمية سياسية أو اقتصادية بطيبة الفلاح أو العقائدي الذي يحلل العالم وفق خطبة عاطفية عابرة لخطيب أو لي عنق أية مبتورة من سياقها كما هو رأي المفكر السوري محمد شحرور، وتطبيقها بقوة على الواقع كما هو رأي محمد أركون.

اليوم كل شيء علم، الحب علم، الاقتصاد علم، السياسة علم، التفاوض مع الدول علم، الدبلوماسية علم، هناك علم السلوك وعلم الطاقة وعلم الاجتماع وعلم النفس. وعلم الإعلام، والسؤال: أليست كل علاقاتنا تقوم على الدراما؟ هل تدار علاقاتنا من منطلق قواعد وتقنيات علمية من قبل هذه العلوم أم من منطلق اليانصيب؟ ولماذا الخوف من تأسيس علاقة مرة أخرى؟ ثم هل رجالات السياسة أو رجال الدين وحتى كثير من المسؤولين في العالم العربي يمتلكون ثقافة الأنثربولوجيا (العلوم الإنسانية) في مثل هذه العلاقات؟ أم إن الدراما حاضرة وبقوة في أي سلوك أو علاقة؟ مر العالم العربي والإسلامي بشخصيات مجنونة تعيش على الدراما تمتلك مصائر أمم وشعوب والكثير من هؤلاء يعانون إعاقة فكرية في قراءة العالم وإعاقة نفسية. عندما ننبش في التاريخ وإلى يومنا سوف نكتشف حجم الجنون والأمراض النفسية التي كان يعاني منها زعماء بلدان كما هو هتلر وزعماء جماهير. لقد باتت مسالة التركيز على الصحة العقلية ضرورة في معرفة الشخصية التي في يدها مصائر أمم وشعوب.

الأزمات السياسية والانتكاسات سببت أمراضا لنا منها البارونويا، وهو الارتياب والشك والأخطر مرض الفيلوفوبيا أو “رهاب الغرام” هو مرض يجعل المصابين به يخشون الوقوع في الحبّ مرة أخرى؛ لأنهم يرون في ذلك سبيلا لربط حياتهم ومصيرهم بشخصٍ معين خصوصا بعد انهيار علاقة سابقة، فالذكريات المتوترة، والعلاقة الفاشلة السابقة تقود الطرف للخوف من تكرار إعادة الخنجر والجرح، والسؤال: هل هناك خوف من تبادل الغرام والعلاقة بين النظام العربي والجماهير، خصوصا بعد ما سمي بالربيع العربي وإلى متى؟ نحن بحاجة إلى عودة العلاقة بتقوية الترابط ووضع إستراتيجية إدارة فن عودة المياه إلى مجاريها لا إلى مزيد من الدراما أو الفيلو فوبيا.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية