العدد 3979
الجمعة 06 سبتمبر 2019
اقرأ أكثر من شرب الماء
الجمعة 06 سبتمبر 2019

صديق آخر من العهود الغابرة قال لي... لماذا لغاية اليوم لم تصدر مجموعة قصصية واحدة أو حتى رواية، مع أنك تتصف بحنان وحشي إلى الأدب وسبق أن نشرت قصصك في الصحافة وأثنى عليها النقاد وكبار الأدباء في البحرين وتوقعوا لك خرائط من الإبداع في مدن القصة القصيرة. أجبته وكأن ملح البحر يأكل أطرافي... يا صديقي أنا أتبع نصيحة والدي حينما قال لي “اقرأ يا أسامة أكثر من أن تشرب الماء”، ثم هناك وجهة نظر خاصة في عملية كثرة النشر من عدمه، فكما هو معروف أن المثقف أول المطلعين على أحدث المذاهب الفكرية والتيارات الفنية وأول العارضين لها على صفحات المجلات الثقافية أو بالتأليف والنشر.

وأصبح الفكر مرادفا للقراءة ثم الكتابة، يقرأ الكتاب بالعين ويخرج عدة كتب باليد، ومن ثم لا يمهل الذهن أن يفكر بل ينقل ويعرض، ولرب قراءة عشرات الكتب لا تنتج عنها فكرة واحدة. لقد كتب برجسون “المادة والذاكرة” في 250 صفحة بعد أن قرأ أكثر من ألف مقال ومقال، ووالدنا الأديب الراحل محمد الماجد التهم آلاف الكتب وجال في حقولها ومع ذلك لم يصدر إلا أربع مجموعات قصصية ورواية واحدة فقط طوال تاريخه الأدبي والصحافي.

بالترويج تكون الكتابة أسرع من القراءة حتى كثر النشر وقل التفكير، حتى أنه ليمكن أن نعد كثرة النشر ظاهرة مرضية أكثر منها صحية، فنحن نعرف بعضنا البعض بالأفكار التي نكرسها فوق الواقع، والواقع نفسه يحتاج إلى من يغوص فيه بالتحليل، لقد كان من السهل على المروجين للفكر الغربي أن يؤلفوا مئات الكتب، كل منها يقوم على مصدر أوروبي، فإذا تحدث المروج عن الحرية كان ترويجا للمذاهب الأوروبية وليس تأصيلا للمعتزلة، وإذا تحدث عن التعقيل كان ترويجا للفلسفة العقلية الأوروبية وليس تأصيلا لتراثنا العقلي في علم الكلام أو في الفلسفة أو في أصول اللغة.

ما أريد قوله.. طباعة النتاج الفكري ليست بالضرورة نقطة التوازن بين الفكر والوجود، أو ليست أول آية نزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي “اقرأ باسم ربك الذي خلق”.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية