العدد 3999
الخميس 26 سبتمبر 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
عندما أعزفُ في الحبِ مع قباني ودرويش ومستغانمي
الخميس 26 سبتمبر 2019

(يعلّمني الحب أن لا أحب ويتركني في مهب الورق). وأنا هنا في مهب الورق أنزف، أتشظى كلماتٍ متيمة، وحروفا لا تعرف الانطفاء قناديلَ تعبثُ بالظلام، ولوعةَ قلبٍ استحال جرحا يتيما يلاحقُ ميتما أو خيمة ملجأٍ على حدود زمن الهوية الضائعة بين أبحر غربةٍ ترتلُ أحزانها على شاطئ الوجع الكبير، متسائلا: (أي علم هذا الذي لم يستطع حتى الآن أن يضع أصوات من نحب في أقراص، أو زجاجةِ دواء نتناولها سرا، عندما نصاب بوعكةٍ عاطفية بدون أن يدري صاحبها كم نحن نحتاجه؟).

ونحاول عبثًا تمزيقَ الذكريات كأوراقٍ علقتْ بقلبٍ مزقه الألمُ، نهرب من الذكرى إلى الذكرى، نقبّلُ الجرح

َ ونلثم شفتي خنجرٍ علّه يرفق بنا أو بالحنين.. نسعى جاهدين في تقبل الوداع

ِ ليرفق بنا الفراقُ، نستبدلُ الوجوه ونلغي الأمكنة، ونغيرُ كل الأسماء على أن يكون وداعا مغطى بقَسَم لا رجعة فيه، ثم نكتشف (بدون الذاكرة لا توجد علاقةٌ حقيقيةٌ مع المكان.

(ثم ندرك خائبين، أننا مازلنا في الصفحة الأولى )

 

عشرون عاما فوق درب الهوى

ولا يزال الدربُ مجهولا

فمرةً كنت أنا قاتلاً

وأكثر المراتِ مقتولا

عشرون عاماً.. يا كتابَ الهوى

ولم أزل في الصفحة الأولى

نحن لا نكتبُ إهداءً سوى للغرباء، وأما الذين نحبهم، فهم جزء من الكتاب، وليسوا في حاجة إلى توقيع في الصفحة الأولى).

 

‎لا مبالاتُنا غرورٌ. هروبُنا حضور ونومُنا يقضةٌ تعبث بالحلمِ وإلحاح مذلٌ لرؤيةِ المشتهى وجهًا واسما

‎أحبُ من الأسماءِ ما شابه اسمها ووافقهُ أو كانَ منهُ مُدانيا) شتمُنا للحبيبِ قبلاتٌ مطرزة باللهفة، وتمنّعُنا اشتهاءٌ للقاء. (أن نكون ودودين مع من يكرهوننا وقساةً مع من يحبوننا، تلك هي دونيةُ المتعالي وغطرسةُ الوضيع).

يشقينا نضجُنا العاطفيُ كلما شاخ القلبُ بحثا عن صورةٍ مطابقة للحبيبة، نلحُ على قصَاصٍ لأيام لعبتْ فينا، نبكي لعافيةٍ عاطفية رُدمتْ في آخر لقاء، كان نهايةَ لقاء وبدايةَ توقيعِ عقدٍ مع جرحٍ ملازم لنَفَسٍ لم نعرفه

‎ثمة لقاءٌ مخيف، يكبُر كلما ازداد وعيُنا بأن ما من أحدٍ يستحق سخاءَنا العاطفيَ، ولا أحدَ أهلٌ لأن نهدي له جنوننا.

(ولن نقبلَ هزيمتَنا في الحب، سنكابرُ ونكابرُ بنرجسيةٍ تكتنز ذلَ السؤالِ، وانتظارِ ولو رنةِ هاتفٍ كاذبةٍ فيها شيء من عبقِ الذكرى أو غبارٍ مبثوثٍ من الأطلال أو شيء يعبث بقلب محتضر من نسمات الحبيبةِ، ولن يعترفَ قلبُ عاشقٍ مكابرٍ بالخسران (لن يعترف حتى لنفسه بأنه خسرها. سيدّعي أنها من خسرته، وأنه من أراد لهما فراقا قاطعا كضربةِ سيفٍ، فهو يفضّلُ على حضورِها غيابا طويلا، وعلى المتع الصغيرة ألما كبيرا، وعلى الانقطاعِ المتكرر قطيعة حاسمة). وما يجرحُ كبرياءنا، ويهزُ مملكةَ الحبِ وجمهوريةَ الإحساسِ أن يتقبلَ العاشقُ مهزلةً قدريةً، إن الحبيب يعيشُ حياته وما أنت سوى نادلٍ توضب طاولةَ التسامرِ لتنظرَ من بعيدٍ ضحكاتٍ أنت ملغي فيها، وحفلةً لست مدعوا لها!! وسؤالٌ يتردد بنزف: وهل موتُ ذكرى الحبيبِ خيرٌ من حياةٍ يتنعمُ بها دوننا وبئس حياةٌ له نحن لسنا ملوكَها: (من الأسهل علينا تقبل موت ذكرى من نحب على تقبل فكرة فقدانه واكتشاف أن بإمكانه مواصلة الحياة بكل تفاصيلها دوننا.

(قدريون نحن، وإن كرهنا غبنَ القدر، وعدم انصافه، وهل قدرنا أن نتعثر في الحب، فما من علاقة حب دائمة أو منتصرة مهما تعالت الضحكاتُ والتفتْ الأذرعُ واستعرتْ القبلاتُ حرائقَ وأهازيجَ، وتعسا للقدر يمحينا من قاموس المنتصرين في الحب، وتلك قصتنا):

إن أجمل ما يحدث لنا لا نعثر عليه، بل نتعثر به.

ولكثرة المنثورين ضحايا على شوارع الحب، وأزقته دليل مواساة لكل عاشق موتور وجريح أن كل مخذول في الحب يردد: (لا أريد من الحب غير بداياته).

حين ينتهي الحب، أدرك أنه لم يكن حبا، إنه الحب كذبتنا الصادقة). هو الحبُ وحدةٌ في الشتاء، وغربةٌ في الصيف، مصايف بلا وصيف، وشواطئُ بلا حبيبةٍ، وفنجانُ قهوةٍ نحتسيه بلا طعم إلا من ملوحةِ بحرٍ يعلق بترابه على شفتيين يبستا من دعاء للقاء الحبيبة (من لا يملك الحب، يخشى الشتاء... أمّا أنا، فسأدخل في شجر التوت، حيث تحوّلني دودة القزّ خيطَ حرير، فأدخل في إبرة امرأةٍ من نساء الأساطير، ثمّ أطير كشالٍ مع الريح). وبعد طول الطريق تخوما وأبحرا ومحيطاتٍ، نكتشفُ نهايتَنا الخائبةَ (أتيتُ ولكني لم أصل.. وجئتُ ولكني لم أعد). وكل نساء العالم بتكدس جمالهن لا تغري قلبًا يعشق كيمياء قلب ِمن أحب. همست بأذنه اشتياقا بتمتمات الضجر: (أحببتك مرغما ليس لأنك الأجملُ، بل لأنك الأعمقُ، فعاشق الجمال في العادة أحمق). ونبحث عن حلم إضافي حيث لا حلم مرددين: (لا ليل يكفينا لنحلم مرتين).

أيها العشاقُ، مزقوا الأغلفةَ، أدلقوا قارورةَ عطرٍ وهبت لغيركم وهي كانت معطرةً من أنفاسكم، فلا تقبلوه حبيبا من ترككم في منتصف الريح والعاصفة ببرد الثلج بلا معطف من القبلاتِ أو دفء الاحتضان: (إنها لا تستحقك .. طرْ مع النورس، واسكنْ مع الريح، وصادق البرقَ، والعبْ مع زخات المطر لتنثرك الريحُ قلبا يليق به قلبٌ كبير....لا تحب أحدا يعاملك كأنك شخص عادي)، وابحثوا في السماء لعل نصيبكم بين النجومِ القمرُ، وكن أنت (وأسلّ من عدمي وجودي.. كلّما احترق الجناحان اقتربت من الحقيقة، وانبعثتُ من الرماد.. أنا حوارُ الحالمين، عزفتُ عن جسدي وعن نفسي لأكملَ رحلتي الأولى إلى المعنى، فأحرقَني وغاب.. أنا الغيابُ.. أنا السماويُ الطريد).

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية