العدد 4002
الأحد 29 سبتمبر 2019
دولة الإمارات الشقيقة... عام ووزير للتسامح
الأحد 29 سبتمبر 2019

لا داعي للتشاؤم؛ فكل المؤشرات تؤكد أن قادتنا وحكوماتنا ومجتمعاتنا الخليجية قد وعت وأدركت خطورة التيارات والأفكار الإقصائية والتكفيرية، ومخاطر ثقافة التعصب والكراهية وعدم قبول الآخر، والتي تتجلبب عادة بجلابيب الدين، وأدركت في الوقت نفسه ضرورة التحرك بكل جدية لمواجهتها والتصدي لها والعمل على اجتثاثها، وإرساء القواعد والأسس اللازمة لتعزيز قيم ومبادئ التسامح والتعايش والتعددية والتنوع والحرية الدينية والفكرية، وبادرت بالفعل بتحرير معتقداتنا الدينية وتخليصها من براثن أو قبضة القراصنة الذين اختطفوها وحاولوا تجريدها من قيمها السامية، التي على رأسها التسامح والتعايش والتعاون والتآخي.

فثمة إنجازات باهرة وملموسة حققتها بنجاح دولنا الخليجية في هذا المضمار في السنوات الأخيرة لا يسع المجال إلى استعراضها، وقد سبق لنا في أكثر من مرة أن تطرقنا إلى ما حققته وأنجزته مملكة البحرين، التي أطلقت الأسبوع الماضي مشروع “مركز الملك حمد للسلام السيبراني للتسامح بين الشباب” في نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية.

وسنكتفي بوقفة موجزة في هذه المحطة عند تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة التي خصصت هذا العام (2019) “عام التسامح”، وهي الدولة الأولى والوحيدة في العالم، بحسب علمي، التي تبنت مثل هذه المبادرة التي تهدف إلى تأكيد قيمة التسامح؛ باعتبارها مكونا أخلاقيا ومنطلقا جوهريا يحكم كل العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع الواحد والمجتمعات فيما بينها على امتداد رقعة وجودها الجغرافي، وعلى اختلاف مكوناتها الثقافية واعتباراتها الإنسانية، وذلك في إطار من احترام وتقبل الآخر ضمن مجتمع متعدد ومتنوع الثقافات والهويات.

وتدرك دولة الإمارات أن ثقافة التسامح تسهم أيضًا في تعزيز الازدهار والنمو الاقتصادي فيها.

وفي إطار أهداف هذه المبادرة فإن دولة الإمارات تسعى إلى تأسيس وتثبيت مكانتها “عاصمةً عالميةً للتسامح” وهي مؤهلة لذلك؛ فهي دون شك أحد النماذج اللامعة في التسامح والتعايش، حيث يعيش على أرضها الطيبة أكثر من 200 جنسية تنعم بالحياة الكريمة والاحترام والمحبة والمساواة.

وخلال زيارتي الأخيرة لدولة الإمارات تنقلت بين مدينتي أبوظبي ودبي، ورأيت كيف يتم تنفيذ هذه الرؤية أو هذه المبادرة خلال هذا العام حسب خطط وبرامج عمل موزعة على 5 محاور رئيسة وهي:

الأول: تعميق قيم التسامح والانفتاح على الثقافات والشعوب في المجتمع من خلال التركيز على هذه القيم لدى الأجيال الجديدة.

الثاني: ترسيخ مكانة دولة الإمارات عاصمة عالمية للتسامح من خلال مجموعة من المبادرات والمشاريع الكبرى منها المساهمات البحثية، والدراسات الاجتماعية المتخصصة في حوار الحضارات.

الثالث: التسامح الثقافي من خلال مجموعة من المبادرات المجتمعية والثقافية المختلفة.

الرابع: طرح تشريعات وسياسات تهدف إلى تعزيز قيم التسامح الثقافي، والديني، والاجتماعي.

الخامس: تعزيز خطاب التسامح، وتقبل الآخر من خلال مبادرات إعلامية هادفة.

وانبثقت هذه المبادرة في بادئ الأمر من مقال كتبه نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في العام 2016 جاء فيه: (علمتنا السنوات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط “الجديد” بأننا نحتاج أن نتعلم التسامح ونعلمه ونمارسه، أن نرضعه لأطفالنا فكرا وقيما وتعليما وسلوكا، أن نضع له قوانين وسياسات ومنظومة كاملة من البرامج والمبادرات. نعم تعلمنا ذلك من مئات الآلاف من القتلى وملايين النازحين والمنكوبين الذين رأيناهم في آخر خمس سنوات في هذه المنطقة بسبب التعصب والكراهية وعدم التسامح الطائفي والفكري والثقافي والديني، لا يمكن أن نسمح بالكراهية في دولتنا، ولا يمكن أن نقبل بأي شكل من أشكال التمييز بين أي شخص يقيم عليها أو يكون مواطنا فيها، لذلك عيّنا وزيرا للتسامح).

وبالفعل تم استحداث “وزارة التسامح” وهي الأولى من نوعها في المنطقة وعلى مستوى العالم بأسره، ووزير التسامح معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان يشرف الآن بنفسه وبشكل مباشر على تنفيذ كل الخطط والبرامج والأنشطة المتعلقة بعام التسامح، ومنشغل بتعزيز ثقافة التسامح في المجتمع الإماراتي على الأمداء القصيرة والمتوسطة والبعيدة.

وضمن فعاليات وخطة العمل فقد استُهل عام التسامح ببداية موفقة ومميزة وناجحة عندما استقبلت دولة الإمارات في الثالث من فبراير بابا الكنيسة الكاثوليكية قداسة البابا فرنسيس، في زيارة تاريخية هي الأولى للبابا لمنطقة الخليج العربي، والتي امتدت لثلاثة أيام، وشملت توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية مع فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الطيب الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر، التي تدعو كل المؤمنين بالله وبالأخوة الإنسانية إلى الاتحاد والعمل معًا. وكنتيجة للزيارة أيضًا فقد أُعلن الأسبوع الماضي أن العمل سيبدأ في إنشاء أول معبد يهودي رسمي في الأمارات والذي سيقع ضمن نطاق مجمع للأديان أطلق عليه “بيت العائلة الإبراهيمية” في أبوظبي وسيضم مسجدا وكنيسة للمسيحيين إلى جانب المعبد اليهودي وسيكتمل بناء المشروع في العام 2022.

وخلال وجودي في دبي قبل بضعة أيام، وضمن سلسلة الأنشطة والفعاليات المتعلقة بعام التسامح تم إطلاق مسابقة “التسامح في صورة” شراكة بين “جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للتسامح” وصحيفة “البيان” الإماراتية؛ من أجل إبراز صور التعايش واحترام الآخر والقيم المشتركة للثقافات، وعبر استخدام الإبداع كوسيلة مؤثرة.

وفي تصوري فإن أهم مكونات أو أهداف مبادرة عام التسامح في دولة الإمارات هو استهداف الشباب في مرحلة مبكرة من عمرهم ومن على كراسي مدارسهم؛ لتكريس قيم التسامح والتعايش السلمي لديهم وتنمية السلوك الاجتماعي المتسامح وتحقيق الفهم والاحترام للثقافات والحضارات المختلفة، وتتم ترجمة هذه الأهداف من خلال برامج نوعية في المناهج الدراسية والأنشطة المدرسية.

وفي هذا الإطار تم إطلاق مشروع مشترك بين وزارة التسامح ووزارة التربية والتعليم تحت عنوان “على نهج زايد”، يركز على تعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي، وقبول الاختلاف، واحترام الآخر، والتواصل الإيجابي بين طلاب المراحل المختلفة بمراحل التعليم كافة في المدارس الحكومية والخاصة، إضافة إلى وضع الخطط والمبادرات للتواصل بين المجتمع المدرسي في المدارس الخاصة والحكومية، بما يُحَول ما يدرسه الطلاب من قيم ومبادئ تتعلق بالتسامح إلى ممارسة عملية يمكن تطبيقها على أرض الواقع من خلال الأنشطة الطلابية المشتركة بين المدارس الحكومية والخاصة.

ونتمنى أن تبادر وزارات التربية والتعليم في باقي دول مجلس التعاون إلى تبني وإطلاق مثل هذه المبادرات والبرامج والخطط الهادفة إلى غرس القيم السمحة وتأصيلها في نفوس وعقول أبنائنا الطلبة، بتأكيد القيم الإنسانية في الحوار والتسامح والاعتدال؛ بغية تنشئة جيل متعلم متسامح قادر على إدراك التنوع الثقافي والتعايش الإيجابي ومقاومة تيارات الكراهية والتفرقة والعنف والإرهاب.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية