العدد 4008
السبت 05 أكتوبر 2019
خرساء العراق
السبت 05 أكتوبر 2019

تصدر مقطع فيديو قصير لامرأة كبيرة في السن وهي تهرول بين المتظاهرين في العراق لتسحب من علبة محارم ورقية تحملها في يدها وتعطيها المتظاهرين لكي يكمموا بها أنوفهم وأفواههم كي لا يستنشقوا مسيلات الدموع. من يعرف هذه المرأة قال إنها خرساء واعتادت أن تقوم ببيع المحارم على قارعة الطريق لعلها تستطيع أن تسد جوعها حالها كحال الذين فتك بهم الجوع والفقر.

هذه المرأة الخرساء بعد أن اشتد الوضع بأساً قررت أن تتظاهر وتصرخ بطريقتها، حيث خرج العراقيون منتصف الأسبوع في تظاهرة تعد الأكبر منذ تعيين الحكومة الحالية برئاسة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي الذي كان الكثيرون يعتقدون أنه سيضع حداً للتغلغل الإيراني في العراق.

التظاهرات العراقية الغاضبة من ازدياد البطالة ونقص الخدمات وتردي الأوضاع الاجتماعية قوبلت بعنف كبير، وتقدمت صفوفها النساء في دلالة واضحة على سلميتها ما أسفر عن استشهاد أكثر من تسعة أشخاص حتى وقت كتابة هذه السطور.

العراقيون هذه المرة قرروا أن يخرجوا للتظاهر دون غطاء حزبي أو طائفي أو حتى عشائري حيث كانت هذه هي السمة الأبرز للاحتجاجات في دليل على أن التظاهرات في مدن العراق اليوم ليست ذات صبغة سياسية تحركها أجندات المصلحة لمختلف القوى في بغداد، بل إنها اجتماعية ومعيشية في العمق تهدف لتحسين الأوضاع المتردية وقطع أذرع الفساد في سبيل حياة كريمة يستحقها كل مواطن عراقي.

يذهب البعض إلى أن إقالة رئيس الحكومة الحالي هي الحل، لكن الواقع يقول إن العراق لم يتغير حاله منذ إسقاط النظام السابق وتداول السلطة بين الأحزاب ذات المرجعيات الدينية. بناءً على ذلك أعتقد أن حكومة مدنية مكونة من أعضاء تكنوقراط يمكن أن تقوم بالكثير بعد أن فشل المعممون في ذلك.

سمع العالم بأجمعه صرخات خرساء العراق بينما لم يسمع حتى الآن صوت العقلاء من الوسطيين الوطنيين المخلصين للعراق ممن لا يأتمرون بأمر طهران أو غيرها من المرجعيات.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية