العدد 4023
الأحد 20 أكتوبر 2019
شبابنا والفن المسرحي المُحاصَر
الأحد 20 أكتوبر 2019

نعاني ونشتكي من انحراف قطاع واسع من شبابنا وانزلاقهم إلى هاوية التطرف والعنف وإلى دهاليز الجريمة والرذيلة والإرهاب، ولعل الذين يؤمنون بـ “نظرية المؤامرة” يعتقدون، وقد يكونون محقين، بأن ثمة مؤامرة كبرى قد تمت حياكتها والتخطيط لها وتنفيذها بنجاح وإحكام تهدف إلى تعطيل تقدم الشعوب العربية والإسلامية من خلال عرقلة وشل مسيرة الثقافة والفنون فيها وعن طريق محاصرة الشباب العرب والمسلمين في زاوية ضيقة مظلمة، وإبعادهم عن إشعاع وأنوار الثقافة والفنون وحرمانهم من إشباع حاجاتهم ورغباتهم منها ومن مزايا وفوائد مختلف تجلياتها، فقيل لهم إن المسرح حرام، والسينما حرام، والموسيقى حرام، والرسم والتصوير حرام، والنحت حرام، وبذلك تتولد لديهم وتنمو حولهم مساحة واسعة من الفراغ النفسي والذهني والروحي يتم استغلالها والنفاذ إليها وتلويثها بأفكار التخلف والتعصب والتطرف والانحراف وما يؤدي إليه ذلك من انخراط وانجراف نحو العنف والجريمة والإرهاب.

إن الذين يسعون إلى إبعاد الشباب العربي والمسلم عن الفنون بشكل خاص يدركون أنها تشكل نشاطا إبداعيا يدخل في جميع نواحي الحياة بما في ذلك النواحي العلمية والتكنولوجية، وأن الفنون تلعب دورًا أساسيًا في تحقيق التوازن النفسي عند الإنسان، وتنمي مواهبه وتوسع مداركه وتعمق إحساسه بالجانب الجميل في الإنسانية والحياة، وتكسبه القدرة على النقد والحكم والتقييم، وتجعله قادرا على التمييز بين القبيح والجميل والصواب والخطأ والخير والشر والنافع والضار، وتعزز القيم والمبادئ النبيلة في نفسه ووجدانه، وعند التعاطي مع الفنون أو ممارستها تتكسر وتتوارى نوازع العنف والسخط والغضب في النفس، فتلين وتستقر في هدوء وسكينة مما ينعكس إيجابيًا على سلوك الفرد وعلاقته بمحيطه، فينبذ الكراهية والتطرف والعنف وينحاز إلى قيم السلم والمحبة والتعايش والتعاون.

لذلك تحرص الأنظمة والمجتمعات الراقية على رعاية الفنون ودعمها والارتقاء بها، وتسعى في المقابل قوى الاستغلال والظلام إلى مطاردتها ومحاصرتها وخنقها وتجريم وتكفير من يتعاطاها أو يقترب منها.

إن النص القرآني المقدس يخلو من أية إشارة صريحة للتحريم المزعوم، خصوصا تحريم الممارسة المسرحية، إلا أن أصحاب نظرية التحريم من المسلمين يعتمدون على تفاسير محددة لأحاديث منسوبة إلى نبي الأمة عليه أفضل الصلاة والسلام تحظر كل ما هو تشخيص أو تصوير فنّي للإنسان، وهي تفاسير في أحسن أحوالها تعطي الاعتبار للمتن والسند وتراجم الرواة ولا تهتم بالنظرة النقدية والتحليلية. كما أن تلك الأحاديث جاءت في وقت اقتضت فيه الضرورة محاربة الوثنية وعبادة الأصنام والخشية من الردة والشرك، ويفسرها فريق آخر من المفسرين والعلماء على أنها تحريم للتشخيص بغرض التبجيل أو لصنع أي تمثال بغرض العبادة أو أي صنم للآلهة التي كان المشركون يعبدونها ويسجدون لها ويقدمون لها القرابين أو أي رسم للصلاة أو التبرك، وليس حظرا أوتحريما للأعمال الفنية المرتبطة بالرسم أو بنحت التماثيل والمجسمات.

ومع ذلك، فقد استقر في أذهان البعض منا تحت تأثير غلاة المشتغلين بالدين، أن الإسلام قد حرم ممارسة الفنون البصرية جملة وتفصيلا. ونبذ كل أشكال التعاطي معها.

إن ما دعاني للتوقف عند هذه المحطة وكتابة هذا المقال هو الخبر الذي نُشر مؤخرًا عن فعاليات “مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة” الذي نظمت الدورة الثامنة منه دائرة الثقافة في حكومة الشارقة في شهر سبتمبر الماضي في مقر المركز الثقافي لمدينة كلباء الإماراتية؛ بهدف تحفيز الإبداع واكتشاف وصقل المواهب الشابة وإثراء المجال المسرحي بمزيد من الرؤى التي تدفع بالحراك المسرحي العربي نحو آفاق أكثر مواكبة وحداثة، حيث أقيم هذا المهرجان بالتزامن مع “ملتقى الشارقة للبحث المسرحي”.

مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة يأتي ضمن سلسلة من الأنشطة والفعاليات التي تقام في الشارقة والمتعلقة بالحراك المسرحي في الدول العربية، وتشمل “مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي”، و”ملتقى الشارقة للمسرح العربي”، و”مهرجان الشارقة للمسرح المدرسي”، و”أيام الشارقة المسرحية”، و”مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي”، وغيرها من الأنشطة المشابهة التي تقام تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، والتي تعكس إدراك دولة الإمارات العربية المتحدة لأهمية النشاط المسرحي، والتي ستساهم بشكل محسوس في كسر وفك الإهمال أو الحصار المفروض والمضروب حول المسرح في وطننا العربي.

ولاشك أن هناك مبادرات ومشاريع وبرامج مشابهة أخرى في دول أخرى في العالم العربي، إلا أن اهتمام دولة الإمارات بالمسرح يبدو أكثر بروزًا ويستحق كل الإكبار والتقدير والإشادة والثناء، فالمسرح تاج الفنون وسمي بـ “أبي الفنون”، وهو من أسمى الفنون التعبيرية التي عرفتها البشرية واهتمت بها ورعتها بالمساندة والدعم والتجويد والتطوير، وهناك مقولة منسوبة لشكسبير جاء فيها: “أعطني خبزًا ومسرحًا أعطك شعبًا مثقفًا”.

ولذلك، فإن المسرح في دول العالم المتقدم يحتل مرتبة متقدمة في الحياة اليومية، ويتم من خلاله تحقيق الأهداف التربوية والتنموية والأمنية لهذه الدول، كما أن المسرح من الوسائل التي تساهم في ترسيخ الهوية الوطنية وتوفير حلول لمشكلات المجتمع.

ولننظر إلى أوروبا وكل ما تتمتع به من تطور وتقدم ورقي، والتي من بين أسبابها الاهتمام بالمسرح ورعاية الفنون المسرحية، ولنَرَ ما يحظى به المسرح فيها من مكانة رفيعة مرموقة وما يتمتع به الفن المسرحي من تنوع وثراء متميّز، وهو ما يشكل امتدادا واستمرارا لتاريخ وإرث قديم متوارث أرسى قواعده الإغريق والرومان الذين اهتموا بالفنون المسرحية، وشيدوا لها المسارح والمدرجات الكبرى.

وحتى في هذه الأيام، حيث ينغمس وينشغل الشباب في الغرب حتى النخاع بالتكنولوجيا الحديثة ومعظم تجلياتها، ومنها وسائل التواصل الاجتماعي، فإنهم لم ينسلخوا أو يتخلوا عن تراث وثقافة المسرح، فعندما نزور عواصم ومدن الدول الغربية نرى  المسارح ودور وصالات العروض تعج بالرواد من مختلف الأعمار، مما يعكس حيوية هذه الشعوب ونضجها.

وسنتوقف للإشارة المختصرة السريعة عند جانب من إنجازات دولتين أوروبيتين فقط، بريطانيا وألمانيا في هذا المجال.

فالعاصمة البريطانية لندن تعتبر من أهم عواصم الفن المسرحي في أوروبا، وهي مألوفة لدى الكثيرين منا، نتردد عليها باستمرار ويشدنا إليها دائمًا ذلك التألق والتعلق بالفن والثقافة، وهي مدينة عامرة دائمًا بمهرجاناتها ومسارحها النشطة وحفلاتها الموسيقية وعروضها الفنية المتنوعة، وأن منطقة “وست إند” فيها التي لا تزيد مساحتها عن 18 كيلومترا مربعا مكتظة بمسارح عريقة يبلغ عددها 40 مسرحًا. وفي لندن ترعرع ولمع الأديب والروائي والشاعر البريطاني العملاق وليم شكسبير الذي ألف 38 مسرحية ما يزال المسرح البريطاني يواصل عرضها باستمرار وبأساليب إبداعية متجددة حتى بعد مضي أكثر من 400 عام على وفاة شكسبير دون أن تفقد أيًا منها روعتها وجاذبيتها.

وماذا يعني أن يستمر الإقبال الكثيف في لندن على المسرحية الموسيقية المعروفة “فانتوم أوف ذا أوبرا أو شبح الأوبرا” التي يتم عرضها منذ أكثر من 20 سنةً دون انقطاع، وهي المسرحية الموسيقية الأشهر بين جميع المسرحيات الموسيقية.

وماذا عن المسرحية أو الملحمة الموسيقية الرائعة “لي ميزارابل أو البؤساء” التي عُرضت في لندن لأول مرة في العام 1985. هذه المسرحية تجسد رواية البؤساء المشهورة للروائي الفرنسي فيكتور هوغو، وقد شاهد المسرحية حتى الآن أكثر من 55 مليون شخص حول العالم.

أما ألمانيا التي تحفل بالثراء المسرحي، فإنها توصف بأنها جنة المسارح في أوروبا، ففيها تمتلك الدولة وترعى وتموّل نحو 150 دارا للمسرح، إضافة إلى ما يزيد عن 280 مسرحا خاصّا تعنى بمختلف الاتجاهات والتقاليد الفنّية والانتماء الجهوي والثقافي. ويتردّد نحو 35 مليون شخص من مختلف الأعمار سنويا على نحو 110 آلاف عرض مسرحي وسبعة آلاف حفل موسيقي في ألمانيا.

لقد حضرت قبل بضع سنوات أحد العروض الموسيقية المقامة في دار الأوبرا البافارية في شارع ماكسيميليان بمدينة ميونخ، ودار الأوبرا في ميونخ تعتبر من بين أشهر دور المسرح الرائدة ليس على مستوى ألمانيا فحسب، بل على مستوى العالم بأسره، فهي من أروع المعالم التراثية والمعمارية القديمة، ويستطيع الفرد أن يتنفس ويلمس بداخلها عبق الحضارة وعراقة التاريخ والذوق الرفيع المنعكس في الزخارف واللوحات والإبداع الفني والموسيقي. أكثر من ستمئة ألف شخص من مختلف دول العالم يقصدون دار الأوبرا البافارية سنويًا ليستمتعوا بمشاهدة أشهر البرامج تنوعا وإثارة في العالم.

برتولت برخت روائي وكاتب ألماني معروف كتب مسرحية اسمها “99 في المئة.. الخوف والبؤس في الرايخ الثالث”، وهي مسرحية تعالج أساليب الفاشية وتأثيرها على عقول الناس، وقد عُرضت المسرحية في بداية عقد الثلاثينات من القرن الماضي، إلا أن النازيين أوقفوا عرضها وطاردوا مؤلفها ما اضطره للهرب من ألمانيا، والآن يتم إعادة عرضها على ضوء تنامي الحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة التي تحمل بذور النازية والفاشية الجديدة. وهنا أيضًا يبرز دور إمارة الشارقة في ترويج ثقافة المسرح بالوطن العربي عندما باشرت الهيئة العربية للمسرح بالشارقة ترجمة هذه المسرحية، ومن ثم أداؤها باللغة العربية.

فتحية لكل من يعمل على تحرير عقول شبابنا المنحرف وتخليصهم من قبضة الغواية والتخلف والتضليل، وتشجيعهم على المساهمة بكل ثقة في كل ما يؤدي إلى التحاق أمتنا بركب الرقي والتقدم والتطور.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية