العدد 4023
الأحد 20 أكتوبر 2019
بعض الحكايا “3”: اللصوص
الأحد 20 أكتوبر 2019

إنهم “اللصوص”.. كانت الصرخة مدوية للغاية، فلم تكن صادرة من شخص واحد.. كان هناك العشرات من النساء والرجال والشباب والأطفال يصرخون بأعلى أصواتهم :”إنهم اللصوص”.. حتى بلغت تلك الصرخات في دويها ومرورها وانتشارها البلدة تلو الأخرى، ليخرج الناس وتجتمع صرخاتهم معًا :”نعم.. هم اللصوص”.

ومع اقتران الصرخات بصرخات أخرى على غير موعد.. لم يكن في الحسبان أبدًا أن يدرك “اللصوص” أنهم “هم اللصوص”؟ حتى أن “بعض اللصوص” هتفوا “ضد اللصوص”! لن يختلط الحابل بالنابل، واللص السارق لن يخدع “المسروق” المسكين الذي ما عاد يخشى حتى على حياته وحياة عياله.. فالجوع يضاعف الجوع والسرقات تتبعها سرقات فيما الناس تبحث عن بصيص أمل يعيد إليها بضع لقيمات تؤمن لها أبسط حقوقهم في العيش.. ولو على الكفاف.

واحد من أولئك الذين يتقنون العزف على لحن النداءات والشعارات والخطابات الرنانة، لم يجد وسيلة ليتخفى وراء سرقاته غير أن يشارك الناس في هتافهم ضد اللصوص، لكنه لم يكن ذكيًا بالقدر الذي يكفي لأن يجعله يدرك بأن جيوبه المليئة بالسرقات كانت ظاهر وواضحة للهاتفين الغاضبين.. وقف ليشارك الناس هاتفًا ضد اللصوص :”نعم.. لا ولن نصمت من الآن فصاعدًا عن اللصوص.. السراق..عن الفاسدين.. عن الذين يملأون جيوبهم ويفرغون جيوبنا.. عن الذين يغمرون الدنيا بالوعود والأحلام فيما لا يصل إلى أفواه عيالنا حتى الفتات.. سنقف معًا وسنعريهم ونكشفهم”.

في تلك اللحظة، والناس ينظرون إليه باستغراب واشمئزاز، فاجأته صرخت امرأة طاعنة في السن :”يا يبه مو أنت أولهم”.. وليس هذا فحسب، بل كانت مفاجأته أكبر عندما سمع ذات العبارة ولكن بلهجة أخرى :”هيك.. كلهن كلهن”.. وأنت وهو وهم منهم.. كم هو غريب أن يستمع إلى صرخات بلهجات مختلفة لكن المعنى هو هو.. والمقصود هو هو.. إذن، اللصوص “هم هم”.. وقبل أن يطلق رجليه للريح هاربًا، شد قبضته على جيوبه المليئة بالسرقات وولى هاربًا هو وحاشيته ولعنات الناس تلاحقهم.

كان “اللصوص” يتفننون في طرق الهرب.. ولكن لا محالة! فكل الدروب والطرقات مليئة بالهاتفين ضدهم.. الغاضبين عليهم.. وماذا بعد؟ إذن، هو الحل السحري.. قال أحد اللصوص لنفسه.. يجب تقديم كل اللصوص إلى العدالة.. أي نعم.. كلهم! فيما الهتاف المباغت كان أقوى :”وأنت منهم.. لم نعد نثق في أحد منكم.. لقد قررنا الوقوف لكي نعيش ويعيش عيالنا.. ننهض لكي تنهض كل بلدة جائعة.. ولن تهربوا بسرقاتكم”... الهتاف لا يزال مدويًا.. من يدري، ربما سيصل إلى أبعد نقطة من نقاط الجوع على خارطة البشر.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية