العدد 4027
الخميس 24 أكتوبر 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
بهروا الدنيا وما في يدهم إلا الحضارة
الأربعاء 23 أكتوبر 2019

شعب اختصر كل الحضارة، يسبح في الجمال، ويمتشق رموش الحرية بحثا عن حقيقة الوجود أرغفة حب وأرغفة حرية. أنتم معزوفات بيتهوفن، وألحان موزارت. أنتم مفردات أوسكار وايلد، أنتم لوحات دافينشي وتمتمات نيتشه وتكعيبية بيكاسو. يا شعر دانتي ونزاريات نزار ونثريات جبران. صدمتنا (سويسرا الشرق الأوسط) لبنان وكل اللبنانيين جمالًا وحضارة نص وأناقة شعار. أنتم أكبر من ذئاب الطائفية التي تعوي، وأعظم من لغة البنادق والبيارق والمحاصصات، وهي تستعيد فرحها المسروق زهرا وحدائق. كبير أنت أيها اللبناني، كافرا بأنياب الأحزاب وأسماك قرش التكتلات وإسمنتية الأطر الضيقة وبورصات المرتهنين والمقامرين للحسابات الضيقة. كبير وأنت تكون للجميع، لن تقبل إلا بالعودة للوطن، للإنسانية، للمدنية، للديمقراطية الحقيقية، فما عاد يجدي عبودية الأفراد والأصنام المصنوعة من التمر والاستعباد والاستلاب باسم الأحزاب والطائفة والمنطق المناطقي والفئوي. تريدونها مدنية، وتوكنوقواط، وشفافية وعدالة ومساواة بلا دم أزرق، بلا وجوه مخملية بلا (نبلاء) مهربين من قصر فرزاي. أثبت الشعب اللبناني أنه غير مرتهن لا للشيعة ولا للسنة ولا للدروز ولا للمسيحي بل للإنسان. وإنه فقط وفقط للمدنية وفصل الدين عن الدولة. لا للدولة الدينية السنية والشيعية والمسيحية والدرزية، نعم للإنسان. نعم للبنان جبران خليل جبران، وهاني فحص وسعيد عقل وفيروز والرحبانية. نعم لفصل السلطات، نعم لعملقة القانون وتقوية المؤسسات نعم للشفافية ولا للفساد، ولا لدولة داخل دولة، لا للعمولات، لا للاقطاع، لا للثراء السريع والتضخم من صفقات المشاريع والحسابات التي تنتفخ بلسع ظهور اللبنانيين من الصفقات المتبادلة ومناقصات تحت الطاولة والناس تموت جوعا.

أنتم أيها اللبنانيون أثبتم بساحة النور في طرابلس وساحة رياض الصلح وكل الساحات، عودة النار المقدسة، أنتم بروميثيوس العرب، سارق النار المقدسة في الأسطورة الإثينية الذي ضحى بحياته ليحمي أبناء أثينا ورمى بنفسه في أتون النار؛ ليجلب لهم شعلة العلم والمعرفة. لن تهزموا وأنتم تتمسكون بالإنسانية طريقا، والوطن ملاذًا والديمقراطية بلا حصص طائفية سبيلًا من الجنوب إلى البقاع إلى صيدا إلى طرابلس إلى بيروت. لله دركم، وأنتم تبهرون العالم وأنتم تشعون سعادة ومرحًا وأغاني وأهازيج وكأنكم توصلون للعالم قصيدة محمود درويش (على هذه الأرض ما يستحق الحياة ) طربا وأغاني وأهازيج وتسامحًا وعفوية وتحضرا وحضارة؛ لم تلوثوا ألسنتكم شتمًا عنصريًا لمقدسات طائفة على حساب طائفة، أو تهبطوا لتصطفوا خلف دين على دين أو زعيم على زعيم؛ بل انتصرتم للإنسان اللبناني بلا أرقام رخيصة تترهل على حساب بث الفتنة بين الطوائف محتكرة الوطنية في حروفها المكررة.

كنت في باريس عندما اندلعت مظاهرات أصحاب السترة الصفراء، وكنت في برشلونة في المظاهرات الأخيرة، وشهدت مظاهرات في إيران قبل ثلاثين عاما، ومظاهرات في كثير من الدول، لكني لم أر مثلكم كبارا وسموا كالسماء، وافقا معرفيا كالأفق امتدادا لم ترفعوا شعارا دينيا واحدًا، ولا طائفيا ولا حزبيا كافرين بالسفارات والدول والقنوات. أنتم لبنان الحقيقة، بلد العروبة والانتماء. بلد المسجد يعانق الكنيسة، والأذان يحتضن القداس مسلمين ومسيحيين ودروزا. لا لمنطق الأقليات، بل منطق المساواة، منطق تكافؤ الفرص، منطق الإبداع والحضارة والحداثة. أنتم وحدكم غيرتم المعادلة ولم نر بكل العالم كيف لمظاهرات سلمية أشبه بالأوركسترا والمهرجانات الزاهية والدبكة والرقص تفرض شروطها على الحكومة وكأنكم ترتلون رواية تولستوي (الحرب والسلام) !!! كأنكم هوجو في حق عودة العدالة لـ (البؤساء). أنتم تشارلز ديكنز في المسح على كل يتيم لبناني في (اولفرتويست)، وترددون رواية همنجوى (وداعًا للسلاح)، ونعم للحب بين كل لبناني ولبناني. هنا تكمن خطورة السلم، عندما يحرج الدكتاتور السادي السيكوباتي الأبوي البطريركي الشوزفريني، الاقطاعي، الكليالي القروسطي بمنطق بيانو الكلمات، وسمفونيات العزف الإنساني، وترابط القلوب الزاهية كفراشة زرقاء.

أيها المتظاهر اللبناني الجميل الحضاري الكبير، يا لوركا العصر قصيدة فداء، ويا سلفادور دالي العرب لوحة جمال، وسمو (أنتوني دالي) كنيسة (ساغرادافاميليا) لبنان قِدما وسماء، يا برج إيفل علوًا، ونهر السين طولا، وشجر الأرز امتدادًا، وشمس كربلاء وأوجاع المسيح وقوفًا مع عرق الفقير وحزن اليتيم. بهرتم العالم جمالًا وحضارة وسلما. عشتم وعاش لبنان حضارة ومدنية. فإن قال نزار قباني في انتفاضة الحجارة في فلسطين: (بهروا الدنيا وما في يدهم إلا الحجارة) فنقول لكل اللبنانيين، وهم يخطون قدرهم بصدق الحرف وصرخة الوجع: (بهروا الدنيا وما في يدهم إلا الحضارة).

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية