العدد 4031
الإثنين 28 أكتوبر 2019
الوضع اللبناني وسيناريوهاته المعقدة
الأحد 27 أكتوبر 2019

إن نظرة فاحصة للوضع السياسي والاقتصادي في لبنان توضح خطورة وتعقيد المشهد في هذا البلد العزيز على قلوب العرب لما له من مكانة تاريخية وثقافية ونهضوية وحتى سياحية، فالاقتصاد اللبناني على وشك الانهيار، إذ بلغ الدين العام ٨٦ مليار دولار في حين لم يتعد الناتج المحلي ٥٦ مليارا، أي أن نسبة الدين للناتج ١٥٠ % وهي نسبة خطيرة جدا وبالتالي بات لبنان أكثر دولة عربية استدانة على الإطلاق وضمن أكثر خمس دول عالميا، وأدى ذلك إلى عجز في موازنة الدولة بلغ ١١ %.

وإذا ما نظرنا لأكثر شعارات المتظاهرين ترديدا في ساحات لبنان ومدنه وضواحيه نجد أنها شعارات القضاء على الفساد ومحاسبة المفسدين، ولا يبدو ذلك مستغربا فلبنان يقبع في المركز ٣٧ على مستوى العالم في مؤشر مدركات الفساد بحسب تقرير ٢٠١٨! كما أن أحد أهم مسببات الأزمة الاقتصادية اللبنانية التي تضاعفت في العشر سنوات الأخيرة بحسب التقارير الدولية تغول حزب الله في الدولة، فالقرار الأساسي أصبحت الكلمة الأخيرة فيه لحزب الله حليف إيران غير المعني بمصلحة البلد والمستقوي على الدولة والمستفيد من الوضع الحالي، الوضع الذي دفع كثيرا من الدول المانحة للبنان لوقف مساعدتها المالية.

كما أن تفشي الفساد في النخب السياسية والتي تحكم وتملك المال والمشاريع والاستثمارات والإعلام جعلها تعمل لمصالحها وليس لمصالح الشعب والدولة الأمر الذي يعد من أبرز معوقات النمو اللبناني، ما أدى لعرقلة جل القرارات التنموية والاقتصادية التي تتضارب مع أصحاب النفوذ والمصالح في الحكومة نفسها، فلا أحد في الدولة يمتلك قرارا نهائيا وهو ما صرح به رئيس الوزراء سعد الحريري في خطابه وعده سببا رئيسيا لعدم قدرة الدولة على القيام بإصلاحات.

إذا الدولة اللبنانية في سبيل إصلاح وضعها المالي والإيفاء بالتزاماتها المتراكمة نتيجة سنوات الفساد كما يصفها المتظاهرون تجد نفسها في مأزق حقيقي، فأصحاب النفوذ المالي والسياسي جزء من الحكومة ولن يقوموا بعمل يضر مصالحهم، وهي كذلك غير قادرة على فرض مزيد من الضرائب على المواطنين المثقلين أساسا بأوضاع معيشية واقتصادية صعبة، والدليل ما حصل مؤخرا وأدى لنزول الناس للشارع بعد التوجه لفرض رسوم جديدة.

الخلاصة أن أمام لبنان ثلاث سيناريوهات: أن تنجح الحكومة في تهدئة الشعب بإصلاحات ولو كانت بسيطة وإقناعهم بالصبر حتى الانتخابات القادمة بعد عامين... أو أن تستقيل الحكومة وهو بحد ذاته مأزق فجميعنا يذكر حينما ظل لبنان في فراغ سياسي بدون حكومة لمدة ٢٥٢ يوما، واحتاج البرلمان ٤٥ جلسة لانتخاب الرئيس ميشيل عون وأنهى خلو مقعد الرئيس الذي استمر سنتين ونصف السنة... أما أسوأ السيناريوهات أن تذهب الأوضاع للصدام المسلح وهي الورقة التي هدد بها نصر الله وهي ورقته الأخيرة التي سيلجأ لها إذا هددت مصالح حزبه ونفوذه ومصالح إيران بشكل مباشر. يبقى السيناريو المستبعد جدا الذي يحتاج حدوثه لمعجزة هو أن ترضخ القوى السياسية والتيارات والأحزاب لرغبة الشارع وتجري إصلاحات جذرية في النظام السياسي لإدارة الدولة.

بعد كل ذلك فإن أجمل ما في مشهد ثورة اللبنانيين تساميهم على الانقسامات الطائفية وتمترسهم خلف لبنان وعلم لبنان ووحدة لبنان وأرزة لبنان، فهل يسمح باستمرار ذلك أرباب الطائفية وتجارها المستفيدون منها لعقود طويلة. حمى الله لبنان وشعبه وجيشه.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية