العدد 4036
السبت 02 نوفمبر 2019
مقتل البغدادي... الإرهاب للخلف دُر! (2)
السبت 02 نوفمبر 2019

ثمة سبب آخر في تغول “داعش” وانتشاره يتمثل في تحول الإرهاب إلى “بزنس” ومصدر ارتزاق لعشرات الآلاف من الشباب الحالمين بدولة أو إمارة تسكن خيالهم وثقافتهم الدينية المحدودة، وهؤلاء وجدوا في دعاية “داعش” وأساليب تجنيدها القائمة على الإغراء بالراتب والسكن والزوجة ناهيك عن “السبايا” والعيش الرغيد وغير ذلك مما احتوته مضامين فيديوهات التجنيد الداعشي التي انتشرت في فترة من الفترات على الإنترنت، ونافست في جاذبيتها دعاية الشركات العالمية عابرة القارات في تجنيد ذوي المواهب والمبدعين من كل أرجاء العالم!

من ينكر دور الدعاية المفرطة في جلب آلاف الشباب إلى مناطق نفوذ “داعش” عليه أن يقرأ بعض الكتب والمذكرات التي تناولت هذا الموضوع، ومنها كتاب “كنت في الرقّة: هارب من الدولة الإسلامية”، للمؤلف التونسي هادي يحمد، والذي يحكي كيف صُدم شاب تونسي “هاجر” إلى أرض التنظيم ظناً منه أن عجلة الزمن ستنقله بمجرد عبور الحدود الجغرافية من تركيا إلى زمن الخلافة الراشدة.

وسواء كان السبب كامنا في البيئة الحاضنة أو مخططات جاهزة أو حتى استقواء التنظيم بالدعاية وتضخمه من خلالها، فإنه في الأحوال جميعها يبقى “داعش” مصدر تهديد للدول والشعوب، وستبقى الفكرة ذاتها تراود الكثير من المغامرين والمهووسين والجهلاء والمغرر بهم، سواء لأن التاريخ لم يخل في أية مرحلة من مراحله من مثل هذه الممارسات والأفكار وإن تراوحت شدتها وحدتها وتأثيرها تبعاً للظروف الزمنية والسياسية وغير ذلك من عوامل “النفخ” في الفكرة أو توظيفها أو استخدامها وغير ذلك، أو لأن هناك من الأسباب المجتمعية، ما يسهم بدرجات مختلفة في ظهور التشدد والتطرف الديني في كل مرحلة زمنية قديماً وحديثاً، ناهيك عن أن سوء الإدارة وفشل التنمية في المنطقة العربية والإسلامية كفيل بتهيئة عوامل البقاء لمثل هذه الأفكار الكارثية.

الحقيقة أن استمرار “القاعدة” على قيد الحياة لا يعني أنها بنفس قوتها وخطورتها، فالتجارب علمتنا أن التنظيمات الإرهابية ينسخ بعضهاً بعضاً، وأن الجديد يقضي على الكثير من “جاذبية” ـ إن صح التعبير ـ القديم، فالقاعدة قضت على جاذبية أجيال سابقة من تنظيمات الإرهاب بانتقالها من المحلية إلى العالمية، وداعش قضى على نفوذ القاعدة عبر منهج “إدارة التوحش” وبناء ما زعم أنه “خلافة إسلامية” بدلاً من جدلية العدو القريب والبعيد، وأيهما أولى بالمواجهة، كما كان ابن لادن يركز من قبل.

الثابت في مجمل الأحوال أن الخلاف بين تنظيمات الإرهاب وأجيالها هو خلاف تكتيكي وليس استراتيجيا، فهو خلاف حول الأسلوب والمنهج والتكتيك المستخدم، وهو خلاف ينتج خلافاً موازياً حول الزعامة والقيادة بناء على سلامة التفكير وبالتالي صحة العقيدة! ومن ثم فالأرجح أن يظهر من يرفض النهج الداعشي ويسقط نظرية الخلافة و”إدارة التوحش”، ويفضل العمل السري والتخفي مجدداً، أي إعادة دورة حياة الإرهاب إلى أصلها ومبتداها بعد فشل تجربة ظن البعض أنها ذروة نجاح هذه التنظيمات. “إيلاف”.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية