العدد 4037
الأحد 03 نوفمبر 2019
الشيعة العرب والنظام الحاكم في إيران
الأحد 03 نوفمبر 2019

لاشك في أن العرب الشيعة قد تعزز إدراكهم الآن وترسخت قناعتهم بأن النظام الحاكم في إيران ليس مؤهلًا أو مخولًا أو قادرًا أو راغبًا في حمايتهم والدفاع عنهم أو جادًا في إدعائه بذلك، هذا إذا افترضنا جزافًا أن العرب الشيعة في حاجة إلى حماية أو دفاع. بل إن الدول العربية التي تدخلت فيها إيران بحجة نصرة وحماية الشيعة فيها أصبح هؤلاء الشيعة يعانون من أمرّ وأصعب الظروف، ويكفينا أن ننظر الآن إلى حال الشيعة العرب في العراق كمثال واحد فقط، ناهيك عن الأحوال المتردية للملايين من العرب الشيعة الذين يعيشون كمواطنين إيرانيين في كنف الجمهورية الإسلامية وتحت رعايتها.

وبعيدًا عن ادعاء هذا النظام بالقدسية الدينية، وبغض النظر عن حسن نواياه أو سوئها، فإن نظام الحكم في إيران يبقى، في أحسن الأحوال، نظاما سياسيا لا يختلف عن غيره في وضع مصالحه الوطنية والقومية قبل أي شيء وفوق أي اعتبار، ومن يعتقد خلاف ذلك، فإنه يحتاج إلى مراجعة نفسه، وعلى هذا الأساس، فإن النظام الحاكم في إيران لن يكترث أو يلتفت إلى العرب الشيعة في البلاد العربية إلا في حدود ما يصب في وعاء خططه ومشاريعه ومصالحه وأهدافه الوطنية المشروعة منها وغير المشروعة، ولذلك فإننا لا نرى أي اهتمام منه بشيعة أذربيجان، على سبيل المثال، الذين تتجاوز نسبتهم 70 % من السكان، أو بشيعة الباكستان أو غيرهم مقارنة بانشغاله واهتمامه المنصب على الشيعة العرب وحمل ألوية وعناوين حمايتهم والدفاع عنهم دون تفويض أو دعوة منهم إليه للقيام بهذا الدور؛ وذلك لغرض واضح وهو محاولة استقطابهم واستدراجهم واستخدامهم كأدوات وأذرع له لتحقيق أهدافه ومآربه التوسعية في المنطقة التي لا يخفيها ولا ينكرها، والتي تضع منطقتنا العربية، بحسب مفرداته، ضمن دائرة “مناطق نفوذه”، وهو يكرر ذلك بكل صراحة ووضوح، مستخدمًا مزاعم وشعارات براقة مثل الدفاع عن الدين الإسلامي، وتحرير القدس، ونصرة المستضعفين والمظلومين، وغيرها من الأراجيز، إلا أن النظر إلى “سواد عيون الشيعة العرب” ليس بالتأكيد أحد أهداف النظام الإيراني في المنطقة العربية.

اسمعوا ماذا يقول أحد أبرز أعمدة نظام الحكم فيها، وهو آية الله أحمد علم الهدى إمام جامع مدينة مشهد المقدسة وعضو مجلس خبراء القيادة، الذي يعتبر الهيئة الأساسية في النظام الإيراني، والذي عهد إليه الدستور مهمة تعيين وعزل قائد الثورة الإسلامية، حيث قال مؤخرًا في إحدى خطبه المسجلة بالصوت والصورة ما يلي: “إيران اليوم ليست فقط إيران، ليست محدودة بالحدود الجغرافية، اليوم الحشد الشعبي في العراق هو إيران، حزب الله في لبنان هو إيران، أنصار الله في اليمن هم إيران، الجبهة الوطنية في سوريا هي إيران، الجهاد الإسلامي وحماس في فلسطين هما إيران، جميعهم باتوا إيران، لم تعد إيران فقط نحن، سيد المقاومة (نصر الله) أعلن أن المقاومة في المنطقة لها إمام واحد وهذا الإمام هو المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، هل تريدون أن تعرفوا أين هي؟ أليس جنوب لبنان هو إيران؟ أليس حزب الله هو إيران؟ طائرات الدرون اليمنية التي تسببت بأضرار كهذه للسعودية أليست إيران هناك؟ تقولون إن طائرات الدرون أتت من الشمال وليس من الجنوب، شمال أو جنوب ما الفرق؟ إيران هي الاثنان، شمالكم وجنوبكم”.

ولا يخفى على الشيعة العرب أن النظام الحاكم في إيران لن يتردد في أي لحظة عن استخدامهم كورقة للمزايدة والمقايضة، ولن يتردد عن التخلي عنهم عندما تقتضي مصلحته ذلك، كما فعل ترامب مؤخرًا مع أكراد سوريا.

والشيعة العرب، ولاشك، يدركون أيضًا بأنه في حالة تضارب أي قضية خاصة بهم مع أي جانب من جوانب مصالح النظام الإيراني ومشاريعه، فإن هذا النظام على أتم الاستعداد للانقلاب عليهم والتضحية بهم وبقضيتهم، وهو أمر طبيعي وبديهي ومتوقع في عالم السياسة، وهذا ما حصل بالفعل مؤخرًا عندما تنكر النظام الحاكم في إيران ولم ينتصر لحقوق الشيعة وغيرهم في العراق ولبنان ومطالبتهم السلمية بالعدالة والحياة الكريمة والتصدي لمشكلة الفقر والبطالة المتفاقمة ومحاربة الاستبداد والفساد، بل إن النظام الإيراني اصطف إلى جانب الأنظمة الحاكمة الفاسدة في بغداد وبيروت في مواجهة المتظاهرين من الشيعة وغيرهم في المناطق والمدن الشيعية في بغداد والبصرة وكربلاء المقدسة وقَمْعهم والبطش بهم والتعامل معهم في العراق خصوصًا بلغة الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه الحارة ما أدى إلى إزهاق أرواح المئات وجرح الآلاف منهم، عند كتابة هذا المقال، كلهم أو غالبيتهم العظمى على الأقل من العراقيين العرب الشيعة.

إن هذه السياسة التي يتبناها النظام الحاكم في إيران ليست وليدة الساعة، فقد اتضحت معالمها منذ اللحظة التي اشتعلت فيها شرارة ثورة الخميني في الخامس عشر من شهر خرداد ( 5 يونيو 1963) وتجلت وتألقت هذه السياسة فور نجاح الثورة الإيرانية في شهر فبراير من العام 1979 عندما تبنى قادة الثورة فيها وبشكل واضح وصريح إستراتيجية “تصدير الثورة”، وهي نسخة من ذات الإستراتيجية التي تبناها لينين لتصدير الشيوعية إلى مختلف دول العالم ومعها النفوذ والهيمنة السوفيتية ضمن شعارات “يا عمال العالم اتحدوا” و”ليس للعمال وطن”. وإذا كانت “العبرة في النهاية” كما قال شكسبير، فإن الشيوعية انهارت بكل شعاراتها وبيارقها بعد نحو 70 عامًا من انتصارها فقط.

إن كل الذين يطمحون في تصدير إستراتيجياتهم هم يسعون في الواقع إلى بسط نفوذهم وهيمنتهم على الدول المستهدفة، لقد أدرك هذه الحقيقة ومنذ البداية الإمام موسى الصدر رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بلبنان ورئيس حركة أمل.

ومنذ البداية كان ثمة تعارض واسع بين فكر الإمام موسى الصدر وفكر الإمام الخميني، فمرجعيات الصدر تختلف عن مرجعيات الخميني، وقد حافظ الصدر على تقليده للسيد محسن الحكيم وبعده الإمام أبو القاسم الخوئي، رافضا مرجعية الخميني، والسيد الصدر لا يؤمن بنظرية “ولاية الفقيه”، وأعطى أولوية للخصوصية وللانتماء الوطني والقومي، وخصوصا بالنسبة إلى لبنان في مقابل فكر الثورة الإيرانية بضرورة تجاوز الهويات الوطنية وتفتيتها تمهيدًا لاختراقها ولعبورها، ومن ثم تطبيق نظرية ولاية الفقيه وإستراتجية تصدير الثورة، وقد ظل الإمام موسى الصدر على خلاف أتباع “خط الإمام الخميني” مؤمنًا ومقتنعًا بأن مصلحة شيعة لبنان تكمن في بقائهم جزءًا من الوطنية اللبنانية العربية.

وقد سعى الإمام الصدر جاهدًا إلى ترسيخ الروح والفلسفة الوطنية وتفعيلها في الهوية الشيعية اللبنانية، وبرز للكثيرين في لبنان وخارجها كبارقة أمل في وحدة المسلمين وفي تعايش التشيع مع المعاصرة وتفاعله مع واقع الحياة، وبذلك أصبح عائقًا في وجه مشاريع التطرف والهيمنة وبات اختفاؤه أمرًا ضروريًا وملحًا.

وفي شهر فبراير من العام الماضي صرح إلى وكالة أنباء “فارس” رجل الدين الإيراني المعروف جلال الدين فارسي الذي كان يعمل مستشارًا للمرشد الإيراني السابق الإمام الخميني بأن الإمام موسى الصدر كان “يجب أن يُقتل” بسبب تصريحات له حول توحد الأديان والمذاهب، ولأنه قال يجب أن نتوحد مع المسيحيين ويجب أن يذهب الشيخ إلى الكنيسة والقس يجب أن يحضر إلى المسجد، وأضاف فارسي: “صدر هذا الكلام منه وكان يستوجب الوقوف ضده”.

وقبل تصريح فارسي وإضافة إليه، فقد ظهرت رواية جديدة حول هذا الموضوع في العام 2016 في كتاب نُشر في نيويورك بعنوان:

The Fall of Heaven: The Pahlavis and the Final Days of Imperial Iran”

أو “سقوط السماء.. البهلويون والأيام الأخيرة للأمبراطورية” للكاتب أندرو سكوت كوبر، الذي ادعى في الكتاب ضلوع رجال الثورة الإيرانية في إخفاء الصدر، حيث كانوا يرون فيه التهديد الأكبر لوصول الملالي إلى الحكم وتأسيس نظام ولاية الفقيه في إيران”، والعهدة على الراوي.

ليس ثمة شيء مستغرب في هذا الشأن، فقد أوردنا بعض هذه الحقائق اليسيرة والموثقة بإيجاز لنؤكد أن النظام الإيراني، على استعداد تام لإزاحة أي فرد أو طرف أو فئة أو طائفة يجد فيها عقبة تقف في وجه مصالحه وطموحاته وتطلعاته وأطماعه.

وهكذا، وفي نهاية شهر أغسطس من العام 1978 أي قبل بضعة أشهر من نجاح الثورة الإيرانية وتسلمها زمام السلطة في إيران اختفى الإمام الصدر خلال زيارة كان يقوم بها إلى ليبيا، وتولى نظام القذافي مهمة تصفيته وإخفاء أثره إلى الأبد، والملالي حماة الشيعة والمدافعون عنهم لم يحاولوا إنقاذ الإمام الصدر وتركوه يلقى حتفه الأليم على يد الرئيس القذافي.

لم تضغط حكومة الجمهورية الإسلامية في إيران على ليبيا لمعرفة مصير الإمام الصدر المفقود، ولم تساند أو تتعاون مع حركة أمل والحكومة اللبنانية في البحث عنه، فقد باع النظام الإيراني دم الإمام الصدر والثمن كان دعم الحكومة الليبية وتمويل قيمة شراء الأسلحة التي كانت إيران في أمس الحاجة إليها في حربها مع العراق التي استمرت لثماني سنوات.

وبعد اختفاء الإمام الصدر ظلت حركة أمل وفية وأمينة ومتمسكة بمبادئه ومواقفه، وحريصة على الحفاظ على هويتها العربية واستقلالها، منحازة لوحدة الوطن وسلامته، رافضة التبعية وخطط التفتيت ومشروع “دولة داخل الدولة”.

عندها سارع النظام الإيراني إلى إيجاد البديل، فكان تأسيس “حزب الله” في العام 1982، وتتردد حتى الآن كلمات أمينه العام السيد حسن نصر الله في خطبة له في بداية الأمر مسجلة بالصوت والصورة قال فيها: “مشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره، كوننا مؤمنين عقائديين هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني”.

وقبل بضعة أشهر قال السيد حسن نصر الله في خطبة له أيضًا، “أقول للعالم كله نحنا يا خيّ على راس السطح؛ موازنة حزب الله ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه من الجمهورية الإسلامية في إيران”.

إن الشيعة العرب يدركون كل الإدراك أيضًا بأنهم وأوطانهم العربية ليسوا المتضررين الوحيدين من سياسات ومغامرات النظام الحاكم في إيران، بل إن أكبر المتضررين وأكبر الخاسرين هو الشعب الإيراني الجار العزيز، كان الله في عونه.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية