العدد 4037
الأحد 03 نوفمبر 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
ظاهرة “الباستيلية” والإمعان في تجريح الباحثين عن الخبز
الأحد 03 نوفمبر 2019

الحياة غير دائمة مهما تزينت وتوشحت بثوب جميل، ففي لحظة من اللحظات يتهاوى كل شي، وتجد ذاتك في العراء، لا تحميك نرجسيتك المنتفخة، حتى الـ “أنا” الداخلية تبدو ميتة سريريًا، مالُك يتحول إلى جلاد يضربك بسوط الندم، منصبك المغري والذي كان يقودك إلى الرقص على جراح الآخر والإمعان في غرز المخرز بأوجاع كل من يختلف معك يذوب وينتهي بلحظة مكر تاريخي كما هو تعبيرهيجل، ثم يبدأ الاكتئاب يفتك بك من الداخل. جبران باسيل، الوزير اللبناني الحالي وصاحب أكبر فقاعات إعلامية مذببة على مستوى لبنان، كان لا يفوت تجريحًا صغيرًا أو كبيرًا إلا أقدم عليه لاستفزاز اللبنانيين وحتى دول الخليج. كان يتكئ على وسادة تحالف عمه الرئيس اللبناني مشيل عون مع حزب الله. هذا الاستقواء يعكس اهتزازا في الثقافة، وضعفا في قراءة التاريخ، وغياب الحذر من انقلاب الزمن وغدر بحر المناصب الذي يفهمه من يقرأ التاريخ بعين الناقد لا الغارق في سُكر اللحظة. هذا الجنوح المتعالي في أذية مشاعر اللبنانيين وثورتهم يخفي خلفه (أنا) متشظية وشتات مراحلي من العمر وضمور لاسم مهمل يبحث عن كثافة ضوء لسنوات طوال من عزلة الاسم لعدم خصوبة لحظة الظهور، وتكلس في مناقب معزولة تحيا عند سادية الكلمات، تتخفى بالأذى والعنف اللفظي.

“الباسيلية” ظاهرة ليست بالجديدة، فهي حالة تعتاش في المناخات التي تنمو فيها الطائفية، والعنصرية ، واختلال توازن القوى أو استقواء السلاح على حمامة الديمقراطية كما هي لبنان، وتكثر مثل هذه الظواهر في بيئات الاحتضان غير السوية وغياب هيبة الدولة أو انتفاخ عنصريتها كما هي بعض بلدان أوروبا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث. سيكولوجيًا، كثافة الشتم لمن يمتلك القرار تعكس كثافة المرض، وتنذر بوجع متهيج، وهي عبارة عن التفاف داخلي يقوم به المريض للتحايل على نفس مهملة أو (أنا) تم شتمها ولو بالتهميش أو متقرحة من ذكريات مؤلمة أو نتيجة اهتزاز لاعمدة القيم، وتعملق قيم عادة ما تنمو مع مغريات وهج الرأسمالية التي عادة ما تغذي اللحظة على التفاف المستقبل أو تعظم المادية على الماورائيات، وتعملق المال على الغيبيات، فيضعف قداس الإله، ويقوى ضغينة الآدمية. ذاك ما حذر منه فاديم زيلاند، الفيلسوف الروسي من نتاج فائض احتمالات، والتي من شأنها أن تعذب ذات المعذِب. الشخصية الشتامة بأي موقع ولو شتما عمليًا لا لفظيا بسلوك إداري تهميشي أو بتجريح لفظي تعكس عدم ثقة بالذات، ونقصا داخليا. المتطرف في أذية الناس تارة يكون جلاد سجن وأحيانا شرطي أيديولوجيا وكثيرا ما يكون كاتبًا أو محللا سياسيا أو وزيرا.

الشخصية المتطرفة في العدائية غير سوية من ناحية الصحة النفسية والعقلية والثقافية، وكلما وجدت تطرفا في أي موقع وأي وظيفة يعني أن وراءها إنسانا يعاني عطبا نفسيا، واختلالا عقليا مهما كان جمال المنظر والسكون المكثث بمكياج الاطمئنان الظاهر على الصورة، أو تنوع الابتسامات في اللقاءات التلفزيونية، فاكثر المبتسمين على الشاشات يعانون من وجع داخلي يتم التعويض أو التحايل عليه بالمظاهر الخارجية الممكيجة. يفتقد باسيل حتى اللغة البرغماتية والدوبلوماسية، فوزير يعاني بلاده من اقتصاد هش مثقل بديون تفوق الـ 85 مليار دولار، لا يقوم باستفزاز دول كالخليج سياسيا، وهو المحتاج لها. إن الدلال السياسي هو ما يقود إلى سقوط القلعة لذلك جزء من الشروخ التي أصابت القلعة (العونية) في لبنان جاءت نتيجة للدلال السياسي والمناصبي المورث الذي أعطاه عون لباسيل، فإذا كان “ما هو أغلى من الولد ولد الولد”، فإن الرئيس المتكئ على الحليف الأوحد، قلب المعادلة ليصبح ما هو أعز من الولد والوطن زوج البنت.

ولأن اللبنانيين ليسوا من المغرمين بخزعبلات الأيديولوجيين، ويعشقون الحياة لا يمكن التفرد بحصارهم في زنزانات سياسية أو أيديولوجية، فالكائن اللبناني معروف بنزعة التمرد، وحب الحياة وأكبر من أن يرفض الحرية ويقبل بتحسين شروط العبودية. ولعل من مظاهر سقوط الشعار الديماغوجي وانكشاف الخطاب الانتقائي هي الدعوات الانتقائية التي بدأت تظهر من دعوات إيران للعراق ولبنان بالامتناع عن الدعوة إلى إسقاط الدولة والالتجاء إلى الاحتجاج عبر القنوات الدستورية والقانونية. فجأة تحولت إيران والمعروفة بدعواتها للانقلاب والثورة على كل الدول، تدعو إلى تغيير الشعار في الدول كالعراق ولبنان، والتي أصبحت تحت نفوذها تدعو المتظاهرين إلى الحنان مع دولهم والرجوع إلى حضن القنوات الدستورية، وفي ذلك دليل على أن السياسة هي لعبة الأغنياء لموت الفقراء، تُستبدل الجلود والمسالخ والمصالح، ويبقى دم الفقير واحدًا.

أقول: (الباستيلية) ظاهرة تاريخية تتكرر كثيرا، لكنها تنتهي سريعا؛ لأنها عادة ما تقوم على توازن لحظي يكون فيه دمع الشعب أو حزن المهمشين كلبنان مثالًا، أكثر توازنا مع الكون والإله ليبقى الأخير وتتلاشى الظاهرة في غياهب النسيان والعدمية، فمحدودية (الأنا) تنهار في أول اختبار أمام أبدية توازن الكون وسرمديته. لا شيء ثابت إلا المتحول في الثقافة والسياسة والاقتصاد والإعلام وكذلك في الحب. ستنتهي (الباستيلية)، وسينعم لبنان ذات يوم بالحرية.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية