العدد 4040
الأربعاء 06 نوفمبر 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
دبلوماسية المُجامَلة!
الأربعاء 06 نوفمبر 2019

يعتقد البعض أن المجاملة نفاق ظاهر، وإسفاف في القول، وتملق، وضعف في الشخصية، وأنها كذب صراح (خالص)، وضحك على ذقون الآخرين، وأنه لا يلجأ إليها إلا صاحبُ مصلحة ما، ولذلك يتشدقون بما يصفونه الصراحة، والصدق؛ فتراهم يعبرون عن آرائهم تجاه الآخرين بنبرة صوتية فيها الكثير من القسوة والعنف اللفظي، صراحتهم هذه لا تظهر إلا في الانتقاد السلبي، أما ما كان إيجابيًا؛ فنادرًا ما تسمع له مديحًا أو ثناء؛ إذ تنعقد ألستنهم ويصيبهم الخرس!

غير أن البعض الآخر يرى في المجاملة فنًا لا يُجيده الجميع، ولا يتأتى للكل؛ وأنه يدخل في دائرتي (الذكاء العاطفي والاجتماعي)، وينم عن حُسن تصرف، وتقدير للمواقف والأشخاص، كما يكشف عن شخصية مرنة، متفاعلة، مُحبة، وودودة! وأنها لا تتعلق بالمديح الكاذب، بل العكس؛ لأنها لا تنعت الآخر بما ليس فيه، وإلا دخلت – بالتأكيد – في حيز الكذب؛ إذ لا يمكن للمجامِل الذكي اللبق أن ينثر كلامه على الشخص الذي يجامله؛ هكذا، وكيفما اتفق! كأننا نفترض أن هذا المنعوت ساذج لا يعرف نفسه؛ فجاء هذا المجامِل ليُعرِّفه بها!

بهذا المعنى تختلف المجاملة عن الكذب، وتخرج من أفقه إلى ما يقابله وهو الصدق؛ لتكون معبرة عن حقيقة وواقع، لا عن وهم وتضليل! غير أنها تكون حقيقة (مُجمّلة)؛ حيث يعمد المجامِل إلى تسليط الضوء على صفة لدى المجامَل، ويلفت إليها، بطريقة أو بأخرى؛ فينال بذلك استحسانه، أو محبته وتقديره! وهذا ما لا يقدر عليه الكثيرون! إذْ يحتاج إلى اقتناص الموقف واللحظة أو الوقت المناسب، والمكان، والحالة المزاجية للآخر وطبيعة شخصيته، دون مبالغة أو تفخيم زائدين! فالمجاملة ليست كلاما مُشاعًا، أو سهلا كما يُظن؛ إنها فنيّة امتلاك الحس والذوق الرفيع!

قد تكون النظرة مجاملة، الابتسامة مجاملة، التعبير السلوكي الذي يخدم الآخر دون طلب؛ مجاملة، المبادرة اللطيفة مجاملة، والكثير مما يخرج من حيز الكلام إلى الأفعال مجاملة، فما أحوجنا اليوم إليها، وما أحوج العالم كله إلى هذه المجاملات فقد تُوقف صراعات، وتذلل تحديات. إنها هي نفسها التي تُسمى دبلوماسية على المستوى الرسمي، وهي نفسها التي اتجه العالم إلى تدريسها؛ كعلم وفن في إدارة العلاقات.

قد يسأل أحدنا: ماذا سيحصل إنْ لم نُجامل؟ لا شيء سوى إبقاء الحال على ما هو عليه! فهل سنبقيه جامدا، أم سنسعى إلى تحريكه؟! من هنا يحتاج (مفهوم المجاملة) إلى إعادة النظر فيه؛ بوصفه عامل تغيير نحو الأفضل، وبوصفه أرقى وأسهل دبلوماسية تبدأ من البيت وتنتهي عند الدول، وهي في الغالب مجانيّة.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية