العدد 4040
الأربعاء 06 نوفمبر 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
المصالح والمسالخ
الأربعاء 06 نوفمبر 2019

على عجل حزمت أمتعتي مسافرًا لمعرض الكتاب في الشارقة محاولًا اصطياد كتب اقتصادية نقدية تنقيبية لفهم معادلة الاصطياد، ووحوش المال وهوامير المصارف المالية في العالم أو أسماك القرش المستثمرين. واصطدت كتابين مازلت اقرأهما الأول عنوانه (انهيار الاقتصاد العالمي ..نهاية عصر الجشع لبول مايسون، والثاني بعنوان (خرافة التنمية) الاقتصادات غير القابلة للحياة في القرن 21 لأزوالدو دي ريفيرو. مهمان ومخيفان كفيلم رعب. قناعتي لا تنمية في العالم، ونحن في لعبة اقتصادية كاذبة، الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرًا. لا يمكن أن تطعم الناس سندويشات ثورية أو زعتر ديني أو (دولمة) مذهبي وبطونهم جائعة.

كل المواعظ ستسقط أمام صرخة خبز. الفرنسي ما عاد يفكر في الهندام ونوعية ربطة العنق ولون المعطف، يفكر الآن كيف يقلل حجم قوة سياط الضرائب التي يجلده بها نظام الضرائب الفرنسي أكثر من لويس السادس عشر، وكذلك الإيطالي الذي أنهكته مافيات المال والقروض، والبريطاني مع الضرائب وضبابية مستقبل فسخ الزواج مع الاتحاد الأوربي، بل كل الاتحاد الأوربي في أزمة مالية حتى ألمانيا تعاني من حكة جلدية الآن. ثورة الجياع ككرة الثلج ستبقى تتدحرج على الخارطة العالمية إلا في الدول التي تسهر على التنمية بجد كسنغافورة والنرويج والسويد والبقية بتنمية حقيقية، لا بأرقام وهمية لإيهام وكالات التصنيف الائتمانية أو لإسكات الشارع. العراقيون بين الإلحاد أو التطرف الديني؛ لأنهم اكتشفوا أن الإسلاميين لا يستطيعون إدارة مزرعة دواجن، فضلا عن دولة كبيرة كالعراق.

في لبنان سقط خطاب الأحزاب مجتمعة؛ لأنهم وجدوا أنفسهم مهمشين ويجوعون، وأبناء الزعماء يبيعون الهواء الحزبي والفستق الطائفي والأعشاب المناطقية كدواء وعقاقير وبنج وحشيش ديني أو مورفين طائفي ولا أحد مع صرخة جوعهم!! فالنظام الطائفي يحول الناس إلى قطعان وقطعة برسيم. وثورة لبنان والعراق هي ثورة على دكتاتورية المحاصصة والفساد لنظام وضع نفسه القاضي، وهيئة المحلفين والجلاد. اللبنانيون والعراقيون أخرجوا (الشريحة) الإيرانية من رؤوسهم وكسروها. هذه الأجيال تريد أن تعيش وتفرح وبطارياتهم ستعمل فقط مع الحداثة.

سدنة المعابد والكهنة لا يمكن أن ينقدوا الملايين من الشارع. رجل الدين يجب أن يكون في المسجد والكنيسة، وحتمية فصل الدين عن إدارة الدولة، والدين هو علاقة بين العبد وربه. الشارع شبعان من القروض والجوع والبكاء. النظام العالمي يغلي تحت بركان اقتصادي، وعلى العالم الإسلامي أن يفكك اقتصاده ويعيد تركيبه بعمليات اقتصادية جريئة وإلا ستكون كوارث. لا عليكم من توصيات البنك الدولي أو الصندوق الدولي أو شركات الاستشارات الاقتصادية، فهي تفكر في قبض ثمن التوصيات الجاهزة المعلبة. فلكل دولة تتعاقد معها تقوم بـ (كوبي بيست) فقط تغير الأسماء.

كلهم مستفيدون من فوائد القروض إذا كانوا دائنين أو رسوم البحوث إذا كانوا شركات استشارية. ولو كانوا يمتلكون عبقرية التنظير الاقتصادي الصحيح لما حدثت أزمة مالية في 2008 أو في إسبانيا واليونان وأيرلندا أو آسيا. كلهم يتاجرون ولهم ثمن في الخسارة وفي الربح. هؤلاء لا يهمهم انفجار الشارع. يقرضون الدول ثم يضغطون عليها بتجويع الناس؛ لذلك الإمام علي ع يوصي الدولة في (نهج البلاغة) دائما للاهتمام بما اسماها بالطبقة السفلى من فقراء ومحتاجين ومرضى ومن طبقة وسطى. النمو العالمي في تراجع وفي أكبر الاقتصادات العملاقة، والتي مداخيلها بالتريليونات كأمريكا والصين، فكيف بدول العالم الثالث كلبنان والعراق، فلا عجب من هذه الصرخات. لا عليكم من السياسيين والمتحزبين من الأرقام الخادعة المنومة، فلبنان والعراق بحاجة إلى ساحر مثل الرئيس لي كوان يو الذي حول سنغافورة من مستنقع صراصير إلى جنة.

نعم هناك نمو في العراق ولبنان وأغلب دول العالم الإسلامي، ولكن كما يقول خبير اقتصادي (النمو الوحيد هو نمو البطالة، ونمو نسبة الدين للناتج المحلي، ونمو الفوائد للدين العام، ونمو حسابات الفاسدين في البنوك، ونمو امتيازات المسؤولين، ونمو نسبة الفقر، ونمو احتقان المتقاعدين والموظفين والعاطلين، ونمو هجرة الشباب، ونمو فجوة الثقة بين المواطنين والحكومة).

الاقتصاد ينمو بالتنوع في القطاعات، وفي الإنتاج وزيادة الصادرات وقلة الواردات في الميزان التجاري. ارفعوا من حجم احتياط الذهب، فقيمة الدولار غدارة، وقد ينقلب الوضع، فحجم الدين الأمريكي فاق 22 تريليون. العالم في مأزق، فقد تجاوز الدين العالمي 184 تريليون دولار تعادل 225 % من الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا لأحدث بيانات صندوق النقد الدولي عن سنة 2017. إنما هل تعرف من هي أكثر دول العالم غرقًا في الدين العام؟ تحتل الولايات المتحدة الصدارة بين الدول المدينة حول العالم، تبيّن أن دينها العام تجاوز 22.51 تريليون دولار، تليها اليابان بفارق كبير عند 12.03 تريليونًا، ثم الصين 9.54 تريليونات، والمملكة المتحدة 3.56 تريليونات، وفرنسا 3.00 تريليونات. هذه مشاريع أزمات اجتماعية، فعلينا الإسراع بإجراء عمليات جراحية سريعة لاقتصاداتنا.

الصين تكدس الذهب الآن وأمريكا تمتلك أكثر احتياط ذهب في العالم ما يقارب 8133 طنا، فوق الثمانية آلاف طن. فماذا فعلنا نحن في العالم العربي؟ قللوا الدين العام والعجز بتقوية السوق والتجار والقوانين المشجعة للشباب والتجار الصغار وأصحاب رؤوس الأموال ليخرج السوق من شلليته، وأدخلوا الشباب في المواقع القيادية، وغيروا الدماء، وضعوا خطة لمحاربة الفساد، فهو خراب البلدان، فما يجري في العراق ولبنان هو بسبب هذا الطاعون، فالمال العام مثل طائر ينتظر الصيد من الوزير الفاسد. وقال مفكر ذات يوم (هناك من يناضلون من أجل الحرية، وهناك من يطالبون بتحسين شروط العبودية”. إنها لعبة المصالح والمسالخ، فهل نحول المحارق إلى حدائق؟ أم نحيل قناني العطور إلى رائحة قبور؟

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية