العدد 4051
الأحد 17 نوفمبر 2019
العراق الجريح
السبت 16 نوفمبر 2019

لا يمكن التقليل من شأن وأهمية ما يحصل الآن من حراك سياسي في الساحة العربية عمومًا وفي الشارعين العراقي واللبناني بشكل خاص، وسنتوقف هنا عند الحالة العراقية، على أن تكون لنا وقفة عند الحالة اللبنانية في لقاء آخر إن شاء الله.

فالشعب العراقي، ومنذ الغزو الأميركي لبلاده، ظل لسنوات طويلة يتألم ويعاني ويتذمر، في صمت وإباء، من حالة الفقر والبطالة وتفشي الفساد وتدني مستوى الخدمات وترديها، وصار يتساءل: كيف وصلت الأوضاع إلى هذا المستوى المزري في بلد يزخر بالإمكانات والخيرات والموارد الطبيعية الهائلة؟ وكيف تنقطع الكهرباء في ربوع ثاني أكبر عضو في منظمة الأوبك للدول المنتجة للطاقة في العالم؟ وكيف يفتقر العراقيون إلى المياه الصالحة للشرب في بلاد ما بين النهرين؟

وبعد أن نفد الصبر انفجر العراقيون وانتفضوا، وتدفق الآلاف منهم إلى الشوارع منذ بداية شهر أكتوبر الماضي، منطلقين من أزقة حواري الفقراء والمحتاجين من مدن وسط العراق ومن جنوبه على وجه الخصوص، فكان معظم المشاركين في المظاهرات والتجمعات شباب من مناطق فقيرة مهمشة ذات غالبية شيعية نافين بذلك أي صبغة أو شبهة طائفية لحراكهم ومطالبين بتحقيق تقدم في معالجة الوضع الاقتصادي المتردي.

ونظرًا لعدم تجاوب الحكومة، واستعمالها القوة المفرطة في محاولة تفريق المتظاهرين ومواجهتهم والتصدي لهم، ما أدى إلى وفاة المئات وجرح الآلاف منهم، فقد اتسعت دائرة الاحتجاجات وأخذت أعداد المشاركين فيها بالارتفاع، وارتفع معها سقف مطالبات المتظاهرين ليصل إلى المطالبة بتغيير كامل للنظام السياسي ووضع نهاية للوجود والنفوذ الإيراني في البلاد رافعين شعار “نريد الوطن”.

وحتى الآن فلا يبدو أن حكام بغداد لديهم الاستعداد أو الجدية للتراجع عن مواقفهم والاستجابة لمطالب المتظاهرين بنية صادقة، كما أن إزاحة النظام الحاكم وهزيمته‏ على أيدي المحتجين والمتظاهرين لن تكون ممكنة أو سهلة، فهذا النظام ليس نظامًا فرديًا مستبدًا يمكن الإطاحة به بسهولة مثل نظام حكم الرئيس الليبي معمر القذافي وأولاده، أو زين العابدين بن علي وزوجته في تونس أو حسني مبارك وحاشيته أو دائرته الضيقة في القاهرة، تلك الأنظمة تهاوت بسرعة ملحوظة بعد فترات، متفاوتة في قِصَرِها، من اندلاع التظاهرات والاحتجاجات وهبوب رياح ما سمي بالربيع العربي في وجهها، الوضع في العراق من هذه الناحية يختلف تمامًا عنه في ليبيا وتونس ومصر؛ فالنظام الحاكم في العراق يتمتع بتمدد واسع لفئات متجذرة من المجتمع العراقي ويشارك فيه أقطاب لها قطاعاتها وفصائلها وحتى مجموعاتها المسلحة، ويحظى النظام كذلك برعاية ومباركة من المؤسسة الدينية، وبوجود ودعم ثابت وصلب من إيران الجار القوي.

وعليه فإن ثمة أطرافا عديدة، إلى جانب الحكومة العراقية، تربطها منظومة علاقات متشابكة ومتداخلة في الساحة العراقية، وتجمعها أجندات ومنافع ومصالح مشتركة ومباشرة، يهمها بإلحاح شديد إنهاء أو حتى قمع وتصفية هذه المظاهرات والاحتجاجات، وهي على أتم الاستعداد للتعاون فيما بينها لتحقيق ذلك في أسرع وقت وبكل الوسائل المتاحة.

إننا نعتقد بأن التظاهرات والمطالبات سيتم في النهاية وقريبًا لجمها وخنقها وربما سحقها بشدة وبقسوة وبشكل وحشي، وستسفك مزيدا من الدماء وسيفقد المئات أرواحهم، وقد يصل عدد المصابين إلى عشرات الآلاف، ومع ذلك؛ فإنه لن يتم القضاء التام على هذه الحركة بل ستتحول إلى جمر ملتهب تحت الرماد.

وقد أصبحت هذه الحركة في كل الأحوال علامة فارقة غيرت وستغير مجرى الأحداث في العراق وفي المنطقة إلى الأبد، فالعراق في العقود الطويلة الماضية لم يعرف الثورات على حقيقتها، كل ما عرفه انقلابات عسكرية وأخرى مضادة كان أبرزها انقلاب 1958 الذي قادة الزعيم الركن عبدالكريم قاسم، والذي أزهقت فيه الأرواح بما في ذلك أرواح أفراد الأسرة المالكة وأقطاب السياسة والحكم فيها وتم سحل أجسام بعضهم في شوارع بغداد، ليدشن هذا التصرف المشين بذلك مرحلة التصفيات وأنهار الدماء التي لا تزال تجري في العراق الجريح.

وإذا كان ما يحصل في العراق الآن يمكن تسميته بـ “الثورة” فإن هذه الثورة ليست مرشحة للنجاح! وفي أحسن الأحوال فإنها ستؤدي إلى استبدال الحكم القائم الآن بآخر مثله أو ربما أسوأ منه، إذ إن نجاح الثورات يتطلب التمهيد لها فكريًا بثورة فكرية أو تنويرية يجب أن تسبق الثورة السياسية أو الاجتماعية، وكمثال فقد نجحت الثورة الفرنسية واستقرت بعد فترة مخاض طويلة عسيرة، وبعد أن مهد لها المفكرون والمثقفون الفرنسيون بأفكارهم ونظرياتهم وأطروحاتهم.

واستطاعت كوكبة من مفكريهم التي ضمت موليير وفولتير وروسو ومونتيسكو ودريدور وكثيرين غيرهم تهيئة وإنارة عقول الفرنسيين، وحقنها بقيم جديدة من شأنها أن ترتقي بقيمة الإنسان وتؤسس منظومة من القواعد التي التي تصون وتحمي حقوقه وكرامته؛ ولذا فإن ما يحصل في العراق ليس ثورة بالمعنى الصحيح للكلمة، إنه حراك يعاني في الواقع من الفراغ البنيوي ويفتقد القاعدة الفكرية.

وسواء نجح المتظاهرون والمحتجون والمعتصمون العراقيون في هذه المرحلة أم فشلوا في تحقيق أهدافهم ومطالبهم المشروعة، فإنهم قد نجحوا بالفعل وبالتأكيد في تكسير جدار الرعب والخوف، الذي كان يُحيط بالنظام الحاكم ويحميه، وهذا بحد ذاته إنجاز يشبه إلى حد كبير ما حصل في هذا الشهر قبل ثلاثين عامًا عندما تم تكسير وتدمير “جدار برلين” الذي كان يفصل وقتها بين الألمانيتين الغربية والشرقية، فأصبح ذلك الحدث من أخطر وأبرز التطورات في النصف الثاني من القرن الماضي؛ إذ كان البداية ونقطة الانطلاق لتكوين وتأسيس الاتحاد الأوروبي وانتهاء الحرب الباردة وانهيار حكم الأيديولوجية الشيوعية في أوروبا الشرقية.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية