العدد 4054
الأربعاء 20 نوفمبر 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
أرادها السَّنا والنورا فكانت سنغافورة
الأربعاء 20 نوفمبر 2019

نزل كنيزك مضيء، وكنجم سماوي على أرض تنبت فقراء وتثمر بؤسا، وأحزان وجع تقاس بالأمتار على الجزيرة المتشظية زجاجا مكسورًا وتوابيت عصافير ومآتم أمل ونعش حياة؛ لشدة ما كانت مستهدفة من قدر متوحم على بؤسها. أطفالها قبل ستين عاما، وقبل مجيء الملاك الحارس، يستحمون في الشوارع والأزقة عراة إلا من لحاف سماء ببطون، خرائطها جوع، وتضاريس عيونها دموع، ونضارة الخدود ندوب. ولد من ذات الرحم، تلمست أصابعه جروحا، يبست من غضب البلسم ومقاطعة الشفاء، واعتراض الفرح. لا يتقن فن الخطابة، ولا التلاعب بمقدسات الجماهير، وليست له علاقة مع ضوء الكاميرات، التي تطلبه فيخجل، تلح عليه المنصة فيهرب، يستدعيه المنصب الذي يودعه وهو في نشوة الانتصار.

زعيم بلا نرجسية “قذافية”، ممتد على القلب جغرافيا بلا دعاية “صالحية”، غير متمسك بالكرسي كما هي “المشيل عونية”، لا يوزع إكسسوارات الكلام على النائمين على الأرصفة، كدعاية انتخابات “طائفية”، ولا يفقه توزيع الخبز البلاستيكي، ولا يستدعي التاريخ أو “بوذا “ليكون القديس، فقداسته أرغفة تتوزع على الفقراء بداية تنمية قداس حقيقية. ذرف الدموع عندما أعلنت ماليزيا بكل كبرياء تخليها عن جزيرته، إلا أن المصائب قد تتحول إلى عجائب، وما تراه مشكلة قد يكون هو الحل. إنها الدموع إلى تحولت إلى ورش عمل في الأرياف لتصبح مصانع للبتروكيماويات، وتكرير النفط. أعلن الانقلاب على الماضي التعيس فكره “النوستولوجيا” والحنين إلى الماضي كعقدة، فعاقب الحجر بالإصلاح وبناطحات السحب، والفقر بمصارف عملاقة، ورمم الوجع الطائفي بفرض اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية لشعب، كل يدعي فيه هو الأصل، ولغته الأجمل.

كان رهانه أن يحول الأرصفة والمنازل العشوائية إلى بيوت حضارية، وأن يكون لكل سنغافوري منزل خاص به فكان له ذلك. دلل القطاع الخاص، وفرش له وسادة تشريع من ريش النعام للمستثمرين ورؤوس الأموال، لكنه فرض عليه المشاركة في بناء مساكن للشعب لتربح الحكومة والشعب والقطاع. إنه البلد الأسهل في العالم في تأسيس شركة فخلال يومين تأتي الموافقة بلا أوراق ولا بيروقراطية ولا رشوة، ولا ذل هاتف، ووساطتك فقط مدى سرعتك على الضرب على الكيبورد وفهمك للتعامل مع النت والتكنولوجيا.

الزعيم الذي ولد في قارورة عطر مملوءة بالزهر والمطر، يحمل نزاهة الأنبياء في نظافة الكف، ومحاربة الفساد، فقدم للمحاكمة مسؤولا تم ارتشاؤه في فرنسا ورجل دين في كنيسة، وكلاهما قدما لمحاكمة علنية.

طفله المدلل هو القانون، فالقانون في سنغافورة ليس كبيت العنكبوت تسقط فيه الطيور الصغيرة وتعصف به الطيور الكبيرة! فالكل سواسية، فهو يمثل هيبة وأساس الدولة. فلما أقدم شاب أميركي على كسر القانون بالكتابة على “سيارات” في سنغافورة سجن وحوكم، ولم تقبل وساطة الرئيس الأميركي بيل كلنتون حينها. فهو لا يؤمن بفيتامين “واو”، وجعل من لباس الحكومة اللباس الأبيض كدلالة رمزية على الأمانة، ومن يحاول تلطيخ اللون يخرج منها. ليته يطل على العراق ولبنان ليرى العجب العجاب. بلد القمامة يتحول إلى أنظف بلد في العالم، ورمي اللبان “العلكة” في الشارع يساوى غرامة كبرى. فقد توجه باكرا لعدم هدر المال، وما تكلفه هذه العلكة عند محاولة تنظيف وإزالتها من الشوارع. قال لا حاجة لها ولنوفر المال للتنمية. فتنظيف العلكة في لندن سنويا يكلف الدولة عشرة ملايين باوند، فقط لإزالتها.

رئيس سنغافورة، القديس الراحل “لي كوان يو” بشر لكنه يحمل صفات الأنبياء “مَنْطِقُه الصَّوَابُ ومَلْبَسُهُ الاقْتِصَادُ ومَشْيُهُ التَّوَاضُعُ، لا يَرْضَى من أَعْمَالِه الْقَلِيلَ، ولَا يَسْتَكْثِرُ الْكَثِيرَ، الْخَيْرُ مِنْه مَأْمُولٌ والشَّرُّ مِنْه مَأْمُونٌ، مُقْبِلًا خَيْرُه مُدْبِرًا شَرُّه، فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وفِي الْمَكَارِه صَبُورٌ، وفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، ولَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ”.

جمع كل السلوكيات الخاطئة للسنغافوريين من الكتابة على الجدران أو البصق في الشوارع أو خدش مقاعد المتنزهات والحدائق، فأمر بجمعها جميعا، وشرع قوانين للقضاء عليها حتى عدت سنغافورة ببلد القوانين. أصبحت سنغافورة من أغنى وأنظف وأرقى دول العالم، وتمتلك احتياطًا كبيرًا للأجيال، وأكثر بلد تسامحًا في الأديان والطوائف والأعراق، ومن أكبر الدول في القطاع المالي، ويوازي الناتج المحلي لها الناتج المحلي لماليزيا التي لفظتها قبل 55 عاما، وهي التي تكبر مساحتها عنها عشرات المرات، وأضخم موانئ العالم وأقل العالم بطالة ومن أفضل دول العالم في النمو، ومتوسط دخل الفرد أفضل من أوروبا بين 70 و80 ألف دولار سنويا. هذا والبلد بلا موارد طبيعية، حتى الماء والرمل يستورده من الخارج، فقط اعتمد على إصلاح التعليم والاقتصاد ونبض التفرقة والطائفية ومحاربة الفساد، وصهر الناس تحت مظلة المشروع القومي السنغافوري الذي هو قبل الأديان والمذاهب فأولا الوطن ثم تأتي الأيديولوجيا، وليس العكس.

لم ينشئ حديقة حيوان لمعرفته بحجم نفقة اللحوم التي يجد أن موازنة ذلك تكون لتوسيع التنمية أفضل من نفقتها على حديقة، فأسس حديقة الطيور وحديقة الأسماك فهي أقل كلفة. إنه القديس القادم من السماء فارسا أبيض، ليزرع على شفاه المحرومين حديقة ورد، وفي عيون المهمشين طيور نورس. لي كوان يو، سلام عليك أيها الملاك القادم من السماء جمال محيا ومحكمة ضمير، وأصابع تنسج الأرض زهورا وسؤددا وشجر سنديان.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية