العدد 4075
الأربعاء 11 ديسمبر 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
الوطن... حبلنا السريّ
الأربعاء 11 ديسمبر 2019

لا يحتاج المواطنون إلى محاضرات أو ندوات أو مناهج تعليمية تُعلّمهم الوطنية، ومن ثمّ؛ معاني الولاء أو الانتماء؛ فالوطنية تُولد مع أول صرخة للحياة، وحينها ينتمي كل منا إلى بيئته، وجماعته، وإلى المحيط الحاضن: الوطن؛ هذا الحيز الجغرافي الطبيعي الذي لا نختاره بأنفسنا؛ بل يختارنا؛ كما لو كان قدرنا أو مصيرنا؛ وحينها نتعلّق بحباله؛ كأجنّة تتعلق بأمهاتها؛ لا تخرج من أرحامها؛ إلا بعد أن يُختم على قلبها بالحب العظيم، ولا تكاد تبارح حبالها الأولى؛ مسقط رأسها، وموضع سكينتها، إلا وعادت بقوة وشغف العاشقين.

الوطن ليس مفهومًا يُختزل في كتاب، أو يُختصر في كلمات؛ لنحفظها أو نُمتحن فيها، لذلك فغالبيتنا لا نستوعب مقررات التربية الوطنية؛ لا نستوعب أن نُدرّس حب الوطن؛ وكأنه غائب أو غير موجود! فالمشاعر التي تأصلت في أعماق الروح؛ كيف لها أن تتحول إلى (لوغاريتمات) للحفظ؟! وكأن هناك من يشكّ في ولائنا الوطني، وجاء يعلمنا إياه؟! ألف: لا... فالحب لا يحتاج لتبرير؛ لأنه سبب في ذاته لذاته! فتخيلوا أنكم في مدارس أو جامعات تعلمكم الحب (الذي تُحبونَ أصلا)!

الوطنية هي أكثر العلوم الروحية التي نُجيدها، نتدرب عليها، ونمارسها دون مدرب أو معلم؛ فهذه النسمات على أرض بلادنا تُلقننا فنون الجذب وسحر الجاذبية، هذا البحر، هذا الحي، والقرية، والمدينة، والناس؛ يلتفون – جميعًا - في سيمفونيات يومية حولنا! يُشكلون معا مفاهيم الوطن، ويشبكون حباله المنسوجة بمهارة وفنية؛ وفي عفوية تامة من أمرهم؛ نتحول إلى أكثر التلاميذ نجابةً في الوطنية؛ ننتصر على جميع مناهجها المكتوبة بالأحبار الباردة والجافة، بل نتفوق على أنفسنا؛ حين تحتاج الوطنية إلى أستاذ ماهر وقدير!

عجبًا، من سيُعلم الروح كيف تحيا، وهي تعلم أن الممات على غير أرضها ضياع وتِيه! روح كهذه لا تحتاج إلى ولاءات مُصطنعة لتتعلمها، كما أنها غنية عن إيهامها أن فقرًا لديها في الانتماء!؟ لذا اتركوها تسرح في وطنيتها الطبيعية المتجذرة في آخر عِرق نابتٍ تحت ترابها! دعوها في سلام الوطن تعيش بين جنباته آمنة مستقرة! كفاكم تعليم الولد كيف يحب أمه؟! وكيف يحن لحبله الموصول فيها، وكيف يدافع عن أنفاسه!؟

للوطن المعجون بحبنا جميعًا، للوطن الساكن في أقصى الروح، للوطن الضارب في جذور الآباء والأجداد: سلام عليك من أولى صرخات الحياة حتى آخر أنفاسها. سلام عليكِ يا بحرين الحب، والولاء، والانتماء، والوطنية. سلام، سلام.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية