العدد 4109
الثلاثاء 14 يناير 2020
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
أنا “الدكتور التالي”
الثلاثاء 14 يناير 2020

أنا لا أجيد اللعب بأعواد الكبريت في صناعة الحرائق أو فن إلقاء القنابل النقاشية الدخانية في المجالس. أنا أجيد فن اللعب بأوراق الشطرنج مع العقل. ما يهمني تفجير وعي يقوم على اشتعال النقد وتفجر المساءلة والمراجعة لدى الناس بعيدا عن لغة الحماس المدبب وهياج النقاشات العاطفية، أو الدينية المبسطة. لقد جرب الجميع أن اللعب مع السياسة أشبه بلعب مع أسنان القرش أو التمرجح بأرجوحة، حبلها ممتد ما بين مبنى شاهق ومبنى شاهق آخر، والساقط منها مهشم رأسه لا محال. السياسة ليست لعبة، ولا نزوة، ولا خطابا ثوريا تنتفخ فيه الأوداج، ويبح فيه الصوت، وترتفع فيه الأكف، ويعلو فيه الصراخ... هذه مهمة بسيطة، كل إنسان يمتلك مقدرة أدائها. السياسة وعي وضمير وحسن تقدير موقف وقراءة عواقب. السياسة حسبة رياضية وتوازنات دقيقة بدقة توازن خلطة كيميائية. لا تستسهلوا بذلك أبدا. الشعار ليس مزحة، والسياسي الشاطر هو من يقود الناس إلى الجامعات، لا الجبانات وحب الحياة لا الموت. قل لي ماذا أنتج من تتبعه، أقل لك من أنت ومن هو! هذا هو شعار وسؤال يقابل به أي شاب في أوروبا لمعرفة أي حزب يتبع. يصلني بعض ما يحدث من جدال في المجالس المجتمعية بين الأوساط الشعبية والشبابية سواء المتفقين معي فيما أكتب أو المختلفين، ولأول مرة أشعر ببصيص أمل التغيير.

أشكر كل الذين بدأوا يفهموني ويؤمنون بصحة ما أكتبه. بعد 18 عاما من محاولاتي الشاقة في النقد، ومحاولة إيصال صوت الوعي والنقد العلمي للناس بدأت الحظ بصيص الأمل. 18 عاما، وأنا أشعل الحرائق، وأرفع صفارة الإنذار، وأدعو لعدم اللعب مع العواصف والأعاصير السياسية كي لا يغرق أحد أو يموت أحد. والحمد لله، بدأت النتائج. منطلقاتي في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة واضحة، طرحتها منذ رجوعي للبحرين في 2002 وهي: 1. المشاركة الإيجابية في الحكومة والبرلمان والنقابات وكل وزارات الدولة، وعدم مقاطعة أي انتخابات برلمانية أو بلدية. ازعل، حط بخاطرك، لكن لا تقاطع.

انظروا كيف بعض مجلس النواب الكويتي الذين قاطعوا مجلس النواب وهربوا لتركيا، الآن رجعوا بعد معرفتهم بخطئهم. مهما حدث الوطن أفضل من الغربة، 2. تقوية الحب والولاء لجلالة الملك والحكم، 3. التشجيع على الإنجازات الحكومية، والنقد الواضح للإخفاقات الحكومية عبر القنوات الدستورية، 4. فصل الدين، ورجال الدين عن السياسة، فالعلاقة مع الله علاقة فردية بين الفرد وربه، ولا دخل لأحد فيها، ولا وصاية من أحد، ويجب فصل الدين عن السياسة لأن السياسة مصالح، والدين مقدس، 5. الوقوف مع الدولة في الخيارات الاستراتيجية والسيادية في الشؤون الداخلية والخارجية، 6. دعم المشروع الإصلاحي وعدم القفز على الواقعية السياسة أو حرق المراحل حتى لا نصاب بكسر في الرجل أو احتراق في الأصابع، إنما نبني على ما بني عليه، ونعمل على تصحيح أي أخطاء مستقبلية.

أحب أن أقول للناس: انظروا كيف كانت نتائج التقاء الجميع على حب مصلحة وطنية واحدة من فوز منتخبنا بكأس الخليج العربي، وما صاحبها من حماس بحريني سنة وشيعة وكيف خرجت البحرين عن بكرة أبيها مشجعة البحرين في سترة والمحرق والرفاع والبديع والدراز، وكيف اشتعلت الساحات والمجمعات بالتشجيع والحماس الوطني، وكيف رفع الناس حب البحرين وصور جلالة الملك؛ هذه الأجواء هي التي تصنع التغيير. كرروها، حافظوا على أجوائها، هذه مبادرات وطنية تشعل الحب، وتبني التماسك، وتقود لصناعة أجواء ومبادرات أكثر فرحًا، وفرجا للناس، والعكس بالعكس، فلو زاد الاحتقان والتوتر والشعارات غير المسؤولة، والمتأثرة بقضايا خارج الحدود، فإنها تقود إلى انسداد الأفق، وتوتر العلاقات، وتسبب أوجاعا إضافية. إن قانون العقوبات والتدابير البديلة مكسب كبير، ساهم في خروج مئات من المحكومين وعمل على تطبيب النفوس، وشيوع الارتياح. لا عليكم من الخطابات التي تأتي من الخارج أيا كانت، يكفي أوجاعا وآلاما، فلا مزيد لإضاعة الشباب. كل هدفي من هذه المقالات هو أن أحفظ الناس، وأولاد الناس من دفع الفواتير السياسية، فمقال واحد يدخل في عقل شاب، فيقوده إلى الشهادة الجامعية بدلًا من شهادة الوفاة أو يقود فتاة إلى اللباس الأبيض في الزواج بدلًا من الكفن أو يحفظ شابا في الوطن بدلًا من المنفى أفضل عند الله ألف مرة من خطاب لا يقود إلا إلى السجن أو المقبرة أو المنفى. من حق هؤلاء الشباب أن يعيشوا كبقية العالم، ويتنعموا بالحياة، ويلتحقوا بالجامعات، ويؤسسوا أسرا، وينجبوا أطفالا، ويؤسسوا مشاريع تجارية. ليس مكتوبًا عليكم الموت.

ارفعوا شعارات: “أنا الدكتور التالي”، “أنا المهندس التالي”، “أنا الطيار التالي”، وكلنا معكم والوطن معكم والقيادة وكل الشعب معكم. حرام! حرام! خلاص يكفي معاناة وأوجاعا وآلاما. أنا أتكلم بحرقة ووجع وألم، وتحملت لسنين النقد الجارح والتهميش والتشويه المجتمعي لأجل مصلحة الوطن والناس. استفيدوا من الماضي بمراجعة نقدية: ماذا لو شارك الجميع في الانتخابات في 2002؟ ماذا لو لم تتم المقاطعة في 2002؟ ماذا لو لم تتم الاستقالة من مجلس النواب في 2011 ولو قوبل اشتعال الإقليم في الدول بمنطق واقعي دون الانجرار إلى مصيدة وفخ الربيع العربي؟ ماذا لو لم تتم المقاطعة الانتخابية في 2014 و2018؟ واليوم أكرر، احذروا بعد تكدس الأوجاع والآلام من أي فتنة في الإقليم، وأي اشتعال حريق، وأي تجاذبات بين إيران وأميركا، وافصلوا أنفسكم عما يحدث في لبنان والعراق وإيران واليمن وكل هذه الدول، وفكروا فقط وفقط في مصلحة البحرين والوحدة الوطنية والقيادة وكيف نحل مشاكلنا ونرتب أولوياتنا. فكروا في مصلحتكم، ومصلحة أبنائكم ومستقبلهم.

لا تسمعوا أي خطاب ثوري محرض أو أي خطابات تدغدغ مشاعر، فلا تزيد الناس إلا موتا. أعلم أن هناك أخطاء في الأداء الحكومي كما أنه توجد إنجازات، وأنا في الصحافة أمارس نقد البطالة بوضوح، ونقد أرقام وزارة العمل، وأعتبر تعريفة الكهرباء كارثة الكوارث التي تخرب الاقتصاد، وأن النظام الضرائبي لا يغني الدولة بقدر ما يزيد المواطن الفقير فقرًا، وأن نقد الوزراء إذا أخفقوا حق دستوري، وأدعو إلى تفعيل ديوان الرقابة المالية، وإرسال الفاسدين إلى النيابة، وهذه سأظل أكتب عنها بطريقة موضوعية ورقمية، ووثائق حبا للوطن والشعب والحكم ولكن بمنطق علمي وموضوعي؛ لإيجاد حلول لا إلى النقد من أجل النقد. أقول ذلك حبًا في البحرين وطنا قيادة وشعبا، وعلمتني الحياة، السعادة في الوسطية سياسة وثقافة ودينا وفلسفة حياة. الجراح توزعت، وكل فرد، كل وطن عانى من أخطاء الماضي وأوجاع تجاذبات الإقليم، لكن المهم كيف نضع الجرح على الجرح لنبني وطنا، ونصنع حضارة ونعيد تركيبة الإنسان ونصنع التغيير ونستفيد من الماضي، وإذا شفي الجرح تحول إلى حكمة. سيروا بحفظ الله، واعلموا أن طريق العقل والحكمة والوسطية، وترك الشعارات العاطفية، وانتهاز الفرص الوطنية، والتمسك بالإيجابية، والوحدة الوطنية بداية الفرج الكبير.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية