العدد 4111
الخميس 16 يناير 2020
محطات سفير
الخميس 16 يناير 2020

تحتفل مملكة البحرين في الرابع عشر من شهر يناير من كل عام باليوم الدبلوماسي، احتفاءً بالسلك الدبلوماسي وما يحققه من إنجازات في خدمة مملكة البحرين ورفعة شأنها. إن تخصيص مثل هذا اليوم هو تكريم كبير من قبل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، يبعث على الفخر والاعتزاز لنا المنتسبين لوزارة الخارجية، ويسرني بهذه المناسبة السعيدة أن أشارك القراء الأعزاء جزءًا من تجربتي في العمل بالسلك الدبلوماسي في السطور التالية.

خلال فترة عملي عضوا في البعثة الدائمة لمملكة البحرين لدى الأمم المتحدة في نيويورك في تسعينات القرن الماضي اكتسبت خبرة شاملة عن أوضاع العالم خلال تلك الفترة، كما جعلتني مدركًا باهتمامات الدول المختلفة وما تتعرض له من تحديات ومشاكل، ومدى تأثير الصراعات والنزاعات المسلحة على العلاقات الدولية، حيث تشكل الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة المنبثقة عنها ما يعرف بالنمط الدبلوماسي المتعدد الأطراف (Multilateral Diplomacy)، ما يتيح للدبلوماسيين الممثلين عن حكوماتهم التباحث وتبادل الآراء والأفكار بشأن مختلف القضايا التي تستحوذ على اهتمام تلك الحكومات وتتطلب التوصل إلى حلول دولية جماعية لها. كما حظيت بفرصة العمل في أروقة مجلس الأمن خلال فترة حصول مملكة البحرين على مقعد غير دائم في مجلس الأمن في العامين ١٩٩٨ - ١٩٩٩، وتعرفت على الكثير من الأمور المتعلقة بآلية العمل في هذا المجلس بدءًا من صياغة القرارات والتفاوض بشأن موادها وبنودها إلى لحظة إقرارها وتنفيذها، وقد لعبت البحرين مع بقية الدول الأعضاء بمجلس الأمن الذي يأخذ على عاتقه حفظ الأمن والسلم الدوليين خلال تلك الفترة دورًا بارزًا في العديد من القضايا الدولية من خلال القرارات التي تم إقرارها وأبرزها القضية العربية الأولى “القضية الفلسطينية” وما يتعلق بالغزو العراقي لدولة الكويت الشقيقة والحصار الدولي المفروض على ليبيا آنذاك.

ومن أبرز الأمور التي أعتز بها في مسيرة عملي الدبلوماسي، ترتيب زيارة سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك المفدى إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية في ٢٧ و٢٨ أكتوبر ٢٠٠٨، عندما كنت رئيسًا للبعثة الدبلوماسية للمملكة في برلين، التقى جلالته خلالها برئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية آنذاك السيد هورست كولر والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وقد أسهمت تلك الزيارة في تنمية التعاون الاقتصادي بين البلدين، من خلال زيادة حجم المبادلات التجارية، وعرض الفرص الاستثمارية المتاحة في مملكة البحرين، والتسهيلات التي تقدمها الحكومة البحرينية للمستثمرين، كما تم على إثر هذه الزيارة الشروع في إقامة عدد من المشروعات المشتركة بين القطاع الخاص في البلدين في العديد من المجالات.

ومن أبرز التحديات التي واجهتني في عملي الدبلوماسي، الدفاع عن مملكة البحرين ومصالحها الحيوية إزاء ما واجهته من تحديات وأخطار خارجية خلال الأحداث المؤسفة التي وقعت في العام ٢٠١١، وذلك في فترة عملي سفيرا للمملكة في بروكسل ورئيس بعثتها لدى الاتحاد الأوروبي، حيث عملت على إقناع أعضاء البرلمان الأوروبي بحقيقة الأحداث التي جرت في مملكة البحرين إضافة إلى الخطوات الإيجابية التي اتخذتها القيادة السياسية من أجل تعزيز الديمقراطية بالمملكة واستمرار العمل بالمشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المفدى في مختلف المجالات، وكذلك لتفنيد الادعاءات المغرضة والموجهة ضد المملكة ولتصحيح المعلومات المغلوطة التي يتم بثها للجهات الخارجية بشأن تطورات الأوضاع بالمملكة وتأكيد التزام المملكة بالمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

وبالتعاون مع الجهات المعنية بالمملكة وبتوفيق من الله تم تنظيم زيارة لوفد من البرلمان الأوروبي لمملكة البحرين للاطلاع على حقيقة الأوضاع السياسية وحقوق الإنسان في المملكة من خلال لقاء المسؤولين المعنيين والجهات الحكومية وغير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان.

منذ استلام مهمتي رئيسًا للبعثة الدبلوماسية في طوكيو مطلع العام ٢٠١٨، وبالرغم مما وصلت إليه العلاقات من تطور وازدهار بين المملكة واليابان في جميع المجالات إلا أنني عملت على تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين الصديقين، والاستفادة من تجربة اليابان الفريدة في النهضة الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية واحتلالها المركز الثاني كأكبر اقتصادات العالم لفترة من الزمن قبل أن تتخطاها الصين مؤخرًا، وفي قطاع الأعمال والتجارة تلعب مجموعة من الأطراف دورًا بارزًا في تحديد سياسات هذين القطاعين باليابان، لعل أبرزها منظمة اليابان للتجارة الخارجية (JETRO)، والاتحاد الياباني للأعمال (Keidanren)، أن التعاون مع هاتين الجهتين وغيرهما ضرورة للوصول إلى المستثمرين اليابانيين في مختلف القطاعات، وتشجيعهم على الاستثمار بمملكة البحرين من خلال الترويج للبيئة الاستثمارية التي تتميز بها المملكة عن طريق الندوات الترويجية أو اللقاءات الثنائية المباشرة مع المسؤولين المعنيين.

وخلال العامين الماضيين، شهدت اليابان مرحلة انتقالية مهمة في تاريخها الحديث، بتنازل امبراطور اليابان السابق أكيهيتو عن العرش، واعتلاء الامبراطور ناروهيتو للعرش، وانتهاء فترة “هيسي” وبداية عهد جديد أطلق عليه “ريوا” التي تعني “التناغم الجميل” أو كما أشار كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني السيد سوغا بأن اسم العهد الجديد يشير إلى أن “الثقافة سوف تنمو وتترعرع بينما تتجمع قلوب الناس معًا في تناغم ووئام بطريقة جميلة”.

وفي ذات السياق، فقد تشرفت بترتيب زيارة سيدي صاحب السمو الملكي ولي العهد نائب القائد الأعلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء للمشاركة في مراسم تنصيب جلالة الامبراطور ناروهيتو، امبراطورًا جديدًا لليابان خلال الاحتفالات التي أقيمت في ٢٢و٢٣ من شهر أكتوبر الماضي.

وأخيرًا وليس آخرًا، فإنني أعتبر نفسي من الدبلوماسيين المحظوظين الذين تتلمذوا على يد عميد الدبلوماسية البحرينية سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة وتخرجت من هذه المدرسة العريقة، إذ تبوأت رئاسة بعثات دبلوماسية عدة على يد وزير الخارجية معالي الأخ الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة.

وختامًا، إذا أمكن لأي بلد أن يجيد توظيف عوامل القوة لديه، سواء كانت سياسية، اقتصادية، تاريخية أو ثقافية، فإنه بإمكان دبلوماسية هذا البلد أن تصل بهذه العوامل فوق ما هو متوقع، وأن دبلوماسية على قدر عالٍ من التميز والكفاءة والاقتدار يمكنها أن تحقق تناغمًا وانسجامًا تامًا بين ما يملكه البلد من مقومات وأدوات للتأثير وبين ما يخطط له من أهداف وتطلعات يراد تحقيقها. ومن هذا المنطلق تولي القيادة السياسية العليا ومعالي وزير الخارجية جل الاهتمام بالارتقاء بجودة أدائها الدبلوماسي تحت مختلف الظروف عن طريق الدعم وتعزيز كفاءة الوزارة ومنتسبيها والذي توج مؤخرًا بإنشاء أكاديمية محمد بن مبارك للدراسات الدبلوماسية.

وكل عام ومملكتنا الغالية في عز وأمان واستقرار، ودبلوماسيتنا في تقدم ونماء.

 

أحمد محمد الدوسري

سفير مملكة البحرين لدى اليابان

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية