العدد 4116
الثلاثاء 21 يناير 2020
خاطرة في يوم جمعة جميل (2)
الثلاثاء 21 يناير 2020

دخلنا المسجد ونبهت أبنائي بضرورة عدم إزعاج المصلين بتخطي رقابهم والبحث عن أقرب مكان مناسب لنجلس به، وما إن فرغنا من تأدية تحية المسجد وبدأت جموع المصلين في التوافد للمسجد حتى بدأ معها مسلسل تخطي الرقاب من مصلين يتأخرون في القدوم للمسجد ولكنهم مع ذلك في غاية الحرص جزاهم الله خيراً على أن يفوزوا بأجر الصفوف الأولى فلا تنفك تميل يمنة ويسرة لسيقان بشرية يقحمها أصحابها بين جذوعنا وأكتافنا بينما نحن جالسون نحاول أن نظفر ببعض الخشوع بتلاوة كتاب الله ريثما يصل الخطيب، ومع مرور الوقت يزداد الوضع سوءاً ويكثر تعداد أصحاب الهمم العالية من متخطي رقاب المصلين ممن تجزم بأنهم غادروا السرير للتو وأتوا بملابس النوم لحضور صلاة الجمعة، حتى أضحى الوضع مزعجاً بشدة وينم عن سوء خلق وصلافة تكاد تقودك للاشتباك والاحتجاج مع بعضهم لولا أن تتدارك نفسك وتتعوذ من الشيطان الرجيم.

وصل الإمام وبدأ الخطبة التي خصصها للحديث عن ضرورة أخذ العبرة من الموت، عندها تمنيت لو خصص الخطيب بعض الوقت أيضاً لوعظ المصلين بضرورة تطبيق مقاصد الإسلام العظيمة في الكيفية التي يعيشون بها حياتهم حتى في أدق التفاصيل، تمنيت لو أنه جعل جزءاً من خطبته لإيضاح أن المسلم يجب أن يكون نموذجاً حياً لدينه في كل أموره، في قيادته سيارته، في تعامله مع الناس، في احترامه القوانين وأن الدين ليس مجرد عبادات وطقوس نجعلها غاية يجب علينا فعلها ولا نكون ملزمين بعدها بأي شيء، تمنيت أن يقول إن أذيتك أو تعريضك أي إنسان للخطر هو كبيرة أكبر بكثير وأهم من حرصك على تأدية سنة أو حتى فريضة إذا كان بإمكانك أداؤها من غير أذية الآخرين، تمنيت وتمنيت أشياء كثيرة وسرحت بخيالاتي بينما كانت كلمة الموت هي الكلمة الأكثر تكراراً في خطبة الخطيب.

وما إن فرغنا من الخطبة والصلاة حتى قام الخطيب ليقول لنا إن لديه ملاحظة مهمة جداً وإنه في غاية الاستياء من بعض المصلين هداهم الله، عندها استبشرت خيراً وجزمت بأنه سيذكر ولو شيئاً بسيطاً مما نلاحظه ونعانيه في طرقاتنا ومساجدنا وكل حياتنا، وبينما كنت مستغرقاً في طموحاتي وأحلام يقظتي استطرق الخطيب بلومه الشديد لبعض المصلين الذين لا يستقيمون في صفوفهم خلال تأدية الصلاة وأن ذلك كفيل بأن يجعل الله يخالف بين قلوبهم، رغبت حينها لو صدحت له بالمسجد بأننا قوم قد خالف الله قلوبنا فعلاً حتى صرنا لا نعرف من الدين إلا طقوسه ولا نعيشه فعلاً كأسلوب حياة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم يعيشونه فسادوا العالم، لكنني بالطبع لم أفعل واكتفيت بالخروج من المسجد مع أبنائي بعد أن اجتزنا محنة التزاحم والسير على أكوام من الأحذية المبعثرة أكرمكم الله.

سرنا لمنزلنا ولم أنبس بكلمة واحدة في طريقي، وإذ بابني الأكبر يبدد صمتنا بسؤاله “لماذا يا أبي لا يحدثنا خطيب المسجد كيف نعيش حياتنا بدلاً من أن يحدثنا عن كيف نموت؟”.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية