العدد 4116
الثلاثاء 21 يناير 2020
مكالمة الرئيس
الثلاثاء 21 يناير 2020

كانت عقارب الساعة تقترب من العاشرة صباحًا بتوقيت ألمانيا، الثانية عشرة ظهرًا بتوقيت المنامة، عندما بادرني نائب رئيس مجلس الوزراء سمو الشيخ علي بن خليفة آل خليفة بالاتصال، كنت في مطلع الأحد الماضي أشعر بأن حدثًا باهرًا يقترب، وأن الأخبار السارة التي اكتملت فصولها الخميس الماضي بنيل الجامعة الأهلية شهادة الاعتمادية المؤسسية آن لها أن تزداد بهاءً واكتمالًا، سمو الابن الوفي يخبرني بأن الرئيس القائد على الخط، وأن سموه سيبدأ الحديث معي فورًا، وفورًا بدأ أطال الله في عمره حديثه الأبوي معي بحنوٍ منقطع النظير، بدفءٍ عبقري في زمن تعز فيه العبقرية وتنأى، وفي كون تختلف عليه الأمم وتتصارع، لكن الأب الرئيس يهل دائمًا بإنسانية الأقوياء وكأن مسافة البعد لم تفرقنا، وطريق التعافي لم يبتعد بالرئيس ولو للحظة واحدة عن هموم بلاده، وشئون شعبه.

القائد على الخط يسألني عن كل شيء تقريبًا عن البحرين، عن الجامعة، عن أحوالي، وعن العائلة، كلمات معدودة لم ينس خلالها أحدًا وبالاسم إلا وكان سؤاله الكريم عنه مغلفًا للحظة فارقة في حياتي، ولثوانٍ مفرحات تمنيتها لا تمر، على الفور قلت لسموه: نحمد الله ونشكر فضله أنه استجاب لدعائنا بأن يمتّعكم بنعمة الشفاء، ويديم عليكم الصحة والعافية وطول العمر.

وفي جمل قصيرة رد الرئيس: نحمد الله على كل شيء، وبعونه تعالى نلتقي قريبًا إن شاء الله في البحرين.

في لمح البصر، انتهت المكالمة، ومهما شرحت، ومهما كتبت، ومهما تصورت، فإن الذي لم يقله سموه لي والذي لم يبح به، والذي كان يملأه شجنًا وشوقًا إلى شعبه، لم يقل أبدًا عن تلك الكلمات المؤثرة الموحية التي عبر بها عن خالص عشقه لشعبه وعن عظيم امتنانه لعائلة طالما أحبته، ولأمة قلما نجد مثلها في الوفاء المتبادل مع قائد، والحب العظيم مع رب مسيرة، وباني نهضة.

هي ذاكرة الأجيال التي لا تنسى بالتقادم، وحضور الحاضر الغائب الذي لا يغيب، وبصيرة المبصر المتقي عندما يريد أن يقول في حب الشعب كلمة، أو أن يدلي في حنو اسثنائي بشعور، أو أن يفوق كل التوقعات بمكالمة كريمة ستظل ذكراها ماثلة أمامي، وكلماتها محلقة بي في أسمى سماوات الأماني.

تجارب ذهبية، خبرة حكيمة، وحكمة خبيرة، كرم جامع متجمع، واجتلاء لا يحمله غير قائد ملهم، ورئيس محنك، لا يهم إن كان خارج الديار أم داخلها، لا يهم إن كان الحديث المفعم بالنبل الخالص قادمًا من قصر القضيبية العامر أو من قصر الرفاع العتيد، أو عبر الأثير، المهم أن عوائق الطبيعة لا تعيق قدرة سموه على التواصل، وعناد الجغرافيا البعيدة لا تحدد إقامة المحلقين في السماوات العُلى.

المهم أن الصوت الذي أشتاقه قد هلّ، والإباء الذي يحملني مسئولياتي قد بدا، والطريق الذي افتقدنا معالمه قرابة الشهور الستة قد بات واضحًا للعيان، بعد رجع الصدى، وبعد أن ذهب الصوت الدافئ الرخيم إلى أثيره المستقر في الغربة، جلست متفكرًا في ذلك الرجل الذي ملأ حياتنا علمًا وفكرًا وحياةً وحركة، في ذلك القائد الذي يمنحنا طاقة إيجابية لا تُحد، وعناصر قوة لا تلين، وعوامل مقاومة لكل رياح معاكسة وكل ظروف مضادة، على مر الأيام والسنين.

إنها الروح عندما تتخطى أسر الجسد، والعناية الإلهية حين ترعى قائدًا بحجم خليفة بن سلمان، تمنحه الإجلال لملكوته العظيم، ونعمة الصحة وبهاء العافية وطول العمر، إنه نعم المولى ونعم النصير.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية