العدد 4121
الأحد 26 يناير 2020
إلى قادة وساسة الجارة إيران.. مع التحية
الأحد 26 يناير 2020

لماذا تستمر جارتنا إيران في إصرارها على امتلاك القوة النووية رغم اعتراض جيرانها في المنطقة ومعارضة المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وما يسببه لها ذلك من صعوبات وأخطار وأضرار؟

في كتابه “تاريخ الأمم والملوك” (ج 3، ص 349) يقول الطبري إنه لما أمر الخليفة أبوبكر الصديق (رضي الله عنه) القائد خالد بن الوليد بالتوجه بجيوشه لفتح العراق في العام 12هـ، كانت العراق وقتها خاضعة لحكم الدولة الساسانية الفارسية وتقع ضمن حدودها.

ولما عبر خالد الحدود العراقية وعسكر بجيوشه في منطقة كاظمة، توجهت نحوه الجيوش الفارسية مدججة بالأسلحة بقيادة (هرمز) الحاكم الفارسي للعراق آنذاك، فقام خالد بمناورة وأخلى موقعه وانسحب منه بسرعة وتوجه نحو منطقة حفيرة، ليجد هرمز كاظمة عندما وصلها خاوية وخالية من الجيوش العربية الإسلامية، فتوجه بجيوشه نحو حفيرة لملاحقة ومواجهة خالد وجيوشه، ولما وصلها وجد أن خالد قد غادرها وعاد بجيوشه مرة أخرى إلى كاظمة، فتبعه هرمز. وقد قام خالد بهذه المناورة أو هذا التكتيك العسكري عندما أدرك أن جيوش هرمز تحمل معها الكثير من العدة والعتاد والأسلحة، التي يصعب التنقل والتحرك بها بسهولة، وأراد أن يرهقها وينهك قواها قبل أن يواجهها وينازلها، وهذا ما حصل بالفعل، ونجحت الخطة وانهزم هرمز وجيوشه، رغم عددها الأكبر وعدتها الأوفر في تلك المعركة، التي عُرفت بـ ”معركة ذات السلاسل”، والتي كانت البداية لانهيار الدولة الساسانية وسيطرة الجيوش العربية الإسلامية على كامل أراضيها.

ما أردنا أن نتوصل إليه من سرد هذه الواقعة هو أن التاريخ ظل يعلمنا أن قوة السلاح وكثرته وتطوره لا تضمن تحقيق النصر، بل إنها قد تتحول إلى عبء يسبب الهزيمة والانهيار، وهو درس يجب علينا جميعًا ألا ننساه، ومن المفترض أن يكون ساسة إيران الحاليون أول من تعلمه.

إيران، كدولة وكشعب، جارة لنا يجمعنا معها التاريخ والجغرافيا، شئنا أم أبينا، يهمنا ويسعدنا استقرارها ونموها وتطورها، ونتمنى أن يبادر قادتها قبل فوات الأوان بإعادة النظر في مواقفهم ومراجعة حساباتهم، وأن يسارعوا إلى وقف هذا النزيف المتزايد والمتواصل لطاقات بلادهم وإمكاناتها ومواردها وثرواتها، التي تُبدد وتُهدر في برامج التسلح ومشروعات التوسع وسياسات التعنت والمواجهة.

إن التاريخ علمنا أيضًا أن انهيار الأنظمة يبدأ من الدخل، وأن التهديد الداخلي أخطر بكثير من التهديد الخارجي، وأن التهديدات الخارجية توحد الشعوب عادة، على خلاف التهديدات الداخلية التي تفككها وتمزقها؛ لذا فإن على ساسة وقادة إيران الجارة ألا يتجاهلوا المؤشرات والرسائل التي أخذ شعبها يرسلها إليهم، فالشعب الإيراني شعب عريق واع، يدرك إلى أي مدى تدهورت أوضاعه المعيشية، وكيف تدنى وتراجع اقتصاد بلاده، وإلى أي مستوى تهاوت وانحدرت إليه قيمة عملته وحجم تصديره، ويعرف أيضًا أن متوسط دخل الفرد في إيران انخفض، وأصبح يعادل أقل من نصف متوسط دخل الفرد في إسرائيل، التي يقول النظام الإيراني إنه يريد تدميرها، وأقل من ثلث متوسط دخل الفرد في دول مجلس التعاون الست مجتمعة.

ويطلع الشعب الإيراني كذلك على الأرقام الصادرة عن البنك الدولي، التي تشير إلى أن اقتصاد بلاده انخفض من المركز السابع عشر إلى السابع والعشرين على مستوى العالم، خلال العقود الأربعة الماضية، وأنه خلال الفترة ذاتها أصبح المواطن الإيراني العادي أكثر فقرا بنسبة 32 %، وأصبحت تتردد على مسامعه أصداء ما صرح به عضو لجنة الاقتصاد في مجلس شورى النظام الإيراني السيد شهاب نادري في 19 مارس 2018، عندما قال إن 80 % من المجتمع الإيراني يرزحون تحت خط الفقر.

والمواطن الإيراني يجد صعوبة في الحصول على تأشيرة دخول لمعظم دول العالم، وهو لا يرغب في قضاء عطلته السنوية في اليمن أو سوريا أو العراق أو لبنان ببطن خاوٍ وجيب فاضٍ، وقد ذكر لي أحد الأصدقاء البحرينيين، من الذين يحرصون كل عام على زيارة العتبات المقدسة بالعراق، إنه كان يشعر بالألم عندما يرى الإيرانيين يجلبون معهم بضائع من إيران لبيعها في العراق لتغطية نفقات زيارتهم؛ مثل المكسرات والمخللات والفواكه المجففة وماء الورد والزعفران والسجاد وما شابه. إن الشعب الإيراني لا يستحق كل ذلك.

إن على ساسة وقادة إيران أن يعرفوا عناصر القوة الحقيقية للدول والشعوب، إنها بالطبع ليست في اقتناء أسلحة الدمار الشامل، وعليهم أن يدركوا أن القنابل النووية لا تجلب القوة، بل قد تتحول إلى عبء.

إن سر قوة إسرائيل في المنطقة، ليس بالقنابل النووية التي تملكها، بل في قوتها الاقتصادية وقاعدتها العلمية والإنتاجية، شئنا ذلك أم لم نشأ، وماذا أضاف السلاح النووي من قوة إلى كوريا الشمالية بعد أن امتلكته قبل 14 سنة؟ أليست كوريا الجنوبية التي لا تملك سلاحًا نوويًا أقوى من كوريا الشمالية؟ ولنستشهد بمثال آخر أكثر وضوحًا وثباتًا، ولا يدور حوله الشك أو الخلاف؛ فقد انهار الاتحاد السوفيتي بعظمته واتساع رقعته، وهو في أوج أو قمة قوته العسكرية، وكانت ترساناته متخمة ومتكدسة بأكثر من 4600 قنبلة نووية، وهو ضعف المخزون الأميركي من القنابل النووية آنذاك الذي كان يبلغ 2462 قنبلة، وقتها كان متوسط دخل الفرد الأميركي 48 ألف دولار في السنة، بينما كان متوسط دخل الفرد في الاتحاد السوفيتي بالكاد يصل إلى 4 آلاف دولار، أي أن دخل الفرد الأميركي يعادل عشرة أضعاف دخل الفرد السوفيتي، وهذا هو أهم سبب لتراجع وانهيار الاتحاد السوفيتي أمام القوة الحقيقة للمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، فالمواجهة لم تكن متكافئة.

إذا كان القادة والساسة في طهران يعتقدون أن تكديس القنابل والمدافع والصواريخ والطائرات والبوارج الحربية والغواصات ستمكنهم من السيطرة على المنطقة فهم مخطئون؛ لأن بلادهم ما زالت تفتقر إلى أهم عنصر من عناصر القوة، وهي القوة أو الطاقة الاقتصادية، لقد استمر الاقتصاد الإيراني في التراجع والتردي، كما ذكرنا، وتورطت إيران في حروب استنزاف، أو إن شئت، فقل في حالة استنزاف في لبنان واليمن وسوريا والعراق، وفي تمويل برامج لتوسيع نطاق النفوذ في العديد من الدول في آسيا وإفريقيا، إن الوضع أصبح يذكرنا بحال الاتحاد السوفيتي بعد تدخله في أفغانستان، وما أشبه الليلة بالبارحة، والدرس لم يتغير، وهو أن انهيار الاقتصاد يؤدي حتمًا إلى انهيار النظام وانهيار الدولة وانهيار أحلام النهار.

وإذا كان ساسة وقادة إيران يسعون إلى الهيمنة على المنطقة؛ فإن ذلك يعتبر من أحلام النهار أو أضغاث أحلام الليل، وإذا كانوا يبحثون عن دور إقليمي؛ فإن عليهم أن يدركوا أنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف والتزامات وأعباء مثل هذا الدور، ولذلك فإننا نتمنى منهم أن ينتقلوا بإيران من حالة الثورة والاضطراب والتصادم إلى حالة الدولة الطبيعية المستقرة؛ دولة المؤسسات والقانون التي تعيش بانسجام مع محيطها وبسلام مع جيرانها ومع مكونات المجتمع الدولي.

إن القوة والنفوذ لا يأتيان من خلال تصدير الثورات والشعارات، بل من خلال تصدير البضائع والمنتجات والمخترعات والأفكار والكفاءات، وأوضح الأمثلة على ذلك جمال عبدالناصر (رحمه الله)، الذي أصابته نشوة السيطرة والانتصار، فقرر تمديد نفوذه وسطوته على الدول العربية الأخرى من خلال تصدير ثقافة الانقلابات العسكرية وإقامة الجمهوريات الشكلية وإلغاء الأنظمة الشرعية الملكية؛ فكانت المحصلة النهائية والمصيبة الكبرى هزيمة 1967 النكراء التي قضت على أحلامه وحطمت طموحات الأمة العربية.

وعلى قادة وساسة إيران أن يدركوا، قبل فوات الأوان، أن الحروب قد تغيرت أساليبها وميادينها وأسلحتها؛ فالأسلحة البحرية على سبيل المثال لم تعد تتمثل في البوارج والغواصات وحاملات الطائرات فقط، بل أيضًا بعدد البواخر التجارية وما تحمله من حاويات، وليست القوة بعدد الجنود فحسب، بل بأرقام المبيعات أيضًا، والقوة تكمن في الكثافة السكانية ودرجة تعلمها، وفي توسيع نطاق وحدود المعرفة في المجتمع، وتكمن في الجامعات ومراكز البحوث وفي التنافس والاستثمار، القوة الحقيقية أصبحت أيضًا في القوة الناعمة، عندما أصبحت وسائل الإعلام أهم من فوهات المدافع، ولم تعد المعارك الحقيقية تدور بين الجيوش الجرارة، بل بين الشركات العملاقة العابرة للقارات؛ وليستمع وينصت قادة وساسة إيران إلى وطيس المعركة التي تدور رحاها الآن بين أقوى دولة في العالم وبين شركة “هواوي” الصينية العملاقة. والله الموفق.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية