العدد 4144
الثلاثاء 18 فبراير 2020
“موت صاحب العربة” تحفة عالمية خالدة
الإثنين 17 فبراير 2020

خلال ترتيب مكتبتي وفهرستها من جديد، وقعت بين يدي قصة “موت صاحب العربة” للأديب البحريني الكبير محمد عبدالملك، وضعتها على جنب وعدت إلى قراءتها مرة ثانية بعد سنوات، تتبعت كلماتها حتى الجذور واستمتعت بحبكتها وتصويرها البيئة المحلية وطريقة تلقي الأحداث والمشاعر والاكتشاف الفظيع للبؤس وألم المعدمين، وأكاد أجزم أن محمد عبدالملك أروع من نقل البيئة المحلية إلى الأدب.

خذ ما شئت من أثر أدبي عالمي مشهور من قصيدة أو دراما أو قصة أو ملحمة، تجد أن منشئه لم يحاول أول ما حاول أن يعبر عن “آلام الإنسانية وآمالها”، ولم يهدف إلى إنسانية عريضة شاملة، ولم يسع إلى إنتاج أدب يصور النفس الإنسانية كلها ويكون في استطاعة كل الأمم أن تفهم هذا التصوير وتقدره، ولو وضع نصب عينيه مثل هذا الهدف الغامض المشتت لما أنتج تحفة عالمية خالدة، ولما أنتج سوی بدیهیات غثة وشعارات مائعة وملاحظات سطحية تافهة، إنما وضع ذلك المنشئ نصب عينيه أن يصور مشاعر قوم معينين وتجاربهم، في بيئة خاصة وفي زمن محدد، وذلك ما فعله محمد عبدالملك.

الوصول إلى الصفة العالمية لا يكون بالتوسع الأفقي، بل بالتغلغل الرأسي، فالذي يجعل الأديب أديبا محليا قاصرا أو يجعله أديبا عالميا شاملا ليس تناوله الأمور المحلية أو تناوله الحقائق العالمية، إنما مقدار نفاذه وتعمقه في فهم الطبيعة البشرية، ولن يستطيع أديب أن يحلل الطبيعة البشرية بشكل مجرد من أوضاع المجتمع وظروف الزمان والمكان، فإنما هي تصور كلي تجریدي ينتزعه الذهن في تفكيره الفلسفي.

محمد عبدالملك برع في تفاصيل حياكة البيئة المحلية أولا، مثله مثل شكسبير الذي أوجد شخصيات مسرحياته من أناس قابلهم في الشوارع والدكاكين والبلاطات في إنجلترا نفسها، وهذا ما جعل تراثه المسرحي يعيش الخلود والحيوية الدائمة، وقصة “موت صاحب العربة” لعبدالملك في تصوري تراث جليل للإنسانية كلها والنموذج الأعلى لوصف البيئة المحلية.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية